المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام: التزامات الرصد والمراقبة الانتخابية في ضوء مقتضيات الفصل 17 من القانون الأساسي
تؤكد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، من خلال مكتبها المركزي الوطني، التزامها الراسخ والمبدئي بالقيام بأدوارها المدنية والوطنية في مجالات الرصد والتتبع والتبليغ. وهي أدوار تنبع من إيمان عميق بضرورة تحصين الفضاء العام من كل الشوائب التي قد تعيق مساره نحو الشفافية والنزاهة، وتأتي هذه المهام الحيوية تنفيذا دقيقا لمقتضيات قانونها الأساسي الذي يشكل الإطار المرجعي والتعاقدي لكافة تدخلاتها الميدانية والمؤسساتية، والتي تستمد شرعيتها من الدستور والقوانين الوطنية الجاري بها العمل.
وفي هذا الصدد، نستحضر تحديدا ما تنص عليه المادة 4 من هذا القانون، التي تضع اللبنات الأولى لأهداف المنظمة، مؤكدة على أن من بين مهامها المحورية المساهمة الفعالة واليقظة في محاربة كل أشكال الفساد والرشوة، وحماية المال العام من أي هدر أو استغلال غير مشروع قد يمس بمقدرات الدولة. كما تتعزز هذه المهام بما جاءت به المادة 7 من القانون نفسه، التي تمنح للمنظمة الصلاحية الكاملة لاتخاذ كافة المبادرات المدنية الرامية إلى مراقبة تدبير الشأن العام، وتقييم السياسات العمومية، وذلك من خلال المراقبة الموضوعية للمشهد العام، وجمع المعطيات الدقيقة من مصادرها الموثوقة، وتحليلها وفق مقاربة حقوقية وقانونية تتوخى المصلحة العامة، بعيدا عن أي حسابات ضيقة أو توجهات قد تخرج بالمنظمة عن نطاق اختصاصها المدني النبيل.
وفي سياق متصل، يستند عمل المنظمة في شقه المرتبط بالمسار الديمقراطي والانتخابي إلى الفصل 17 من قانونها الأساسي، وهو الفصل الذي يكتسي أهمية بالغة ومركزية كونه يمنح للمنظمة صلاحية صريحة وواضحة لتتبع ومراقبة الاستحقاقات الانتخابية بمختلف مستوياتها وأنواعها. إن هذا الدور لا يعتبر مجرد ممارسة شكلية أو إجرائية، بل هو آلية حقيقية للرصد الميداني عبر تتبع وتوثيق أي اختلالات أو تجاوزات أو ممارسات غير قانونية، سواء تعلق الأمر بفساد مالي، أو استغلال للنفوذ، أو أي ممارسات أخرى قد تمس بسلامة ونزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين. وتهدف المنظمة من خلال هذا التتبع الميداني المستمر والدؤوب إلى المساهمة الفعلية في حماية مصداقية المؤسسات التمثيلية، وضمان شفافية التنافس السياسي، وتعزيز ثقة المواطنات والمواطنين في صناديق الاقتراع وفي المسار الديمقراطي الذي تنتهجه بلادنا كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والانتخابية المقبلة، بادرت المنظمة إلى الرفع من وتيرة عملها الميداني والمؤسساتي، تنفيذا لالتزاماتها الواردة في المادة 9، والتي تؤكد على الدور المحوري للمنظمة في تتبع المؤشرات المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية، والحرص على ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، والتصدي لكل ما من شأنه التأثير على إرادة الناخبين أو تلويث الأجواء الانتخابية بالممارسات المشبوهة، معتمدين في ذلك على شبكة من المراقبين الميدانيين المشهود لهم بالنزاهة والخبرة والحياد.
وضمانا للشفافية والاحترافية والنزاهة في العمل، تعكف المنظمة بشكل مستمر وممنهج على إعداد ملفات موضوعاتية وتقارير دورية شاملة، تسترشد فيها بالمعايير القانونية والأخلاقية المتعارف عليها وطنياً ودولياً في مجال الرصد الحقوقي. وتولي المنظمة أهمية بالغة للالتزام التام بالضوابط الواردة في المادة 12 من قانونها الأساسي، والتي تحث بشكل صارم على ضرورة احترام سرية البحث والتحري، خاصة في القضايا والملفات التي قد تكتسي طابعا حساسا أو معقدا، وذلك لتجنب أي مساس بمسارات التحقيق الرسمية أو عرقلة سير العدالة. وتعتمد مخرجات هذه التقارير على معطيات موثقة ومصادر متاحة قانونا، وتهدف بالأساس إلى إشعار السلطات والمؤسسات المعنية وتنبيهها إلى مكامن الخلل، من أجل اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير لتصحيح الأوضاع وردع المخالفين. وتؤمن المنظمة إيمانا راسخا بأن حماية نزاهة الحياة العامة ليست مهمة حصرية لجهة دون أخرى، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاونا إيجابيا وتنسيقا مستمرا بين كافة فعاليات المجتمع المدني الجاد، وبين مختلف المؤسسات الدستورية والرقابية التي تسهر على تطبيق القانون وحماية الممارسة الديمقراطية.
وفي هذا الإطار التوضيحي، تحرص المنظمة على التأكيد بشكل جازم وقاطع على أن دورها ينحصر أساسا في الرصد والتوثيق والتبليغ، وممارسة الترافع المدني المسؤول، استنادا إلى مقتضيات المادة 21 التي تنص صراحة على أن مهام المنظمة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحل محل اختصاصات السلطات القضائية أو الأمنية أو الرقابية. فهذه المؤسسات الرسمية تبقى هي الجهة الوحيدة المخول لها قانونا ودستوريا إجراء الأبحاث والتحريات القضائية أو الإدارية العميقة، واتخاذ القرارات الزجرية أو التأديبية اللازمة في حق المخالفين.
وبناء عليه، فإن المنظمة تؤكد للرأي العام ولجميع الفاعلين السياسيين والمدنيين أن تقاريرها وبياناتها تظل في جوهرها تقارير تقييمية وملاحظات مدنية، ولا تشكل قطعا أحكاما مسبقة أو اتهامات شخصية موجهة ضد أفراد أو مؤسسات بعينها، إذ لا تملك المنظمة صفة الضابطة القضائية. ويأتي هذا الموقف احتراما تاما من المنظمة لمبدأ قرينة البراءة، الذي يعد حقا دستوريا أصيلا لا يقبل التأويل، والتزاما بقواعد المحاكمة العادلة وضوابط العمل الحقوقي الرصين الذي يبتعد عن التشهير ويسعى إلى الحقيقة من خلال المسالك القانونية المؤسساتية.
وختاما، تؤكد المنظمة أن كل هذه الجهود تصب في اتجاه واحد، وهو تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، والذي يعتبر من أهم ركائز الحكامة الجيدة المنصوص عليها في دستور المملكة وفي أدبيات المنظمة. ويبقى الهدف الأسمى هو التصدي بحزم لكل الممارسات السلبية التي من شأنها الإضرار بصورة العمل السياسي والمؤسساتي في بلادنا، أو التأثير على كفاءة التدبير العمومي، أو النيل من سمعة المؤسسات الوطنية. وتكرس المنظمة كافة طاقاتها وجهودها لمواصلة القيام بهذا الدور الوطني الرائد بكل استقلالية وموضوعية وحياد تام، متشبثة في ذلك بقوة بثوابت ومقدسات المملكة المغربية، ومحترمة لمؤسساتها الدستورية، ومنفتحة على كل المبادرات الجادة التي تخدم الصالح العام وتساهم في بناء مغرب الغد. وتضع المنظمة المصلحة العليا للوطن والمواطنين فوق كل اعتبار، مساهمة بذلك بفعالية واضحة في ترسيخ قيم النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة، وتفعيل مقومات دولة الحق والقانون، تحت القيادة الرشيدة والنظرة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، والذي يولي عناية فائقة لقضايا النزاهة وتخليق الممارسة السياسية والحزبية في بلادنا.