الصمت موقف والمبدأ صامد: استراتيجية الحقوقي الحر في مواجهة الفساد

0

في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتتصارع فيه المصالح، وتغيب فيه البوصلة الأخلاقية لدى بعض من جعلوا من المنابر الرقمية أدوات لتزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام نحو مسارات تخدم أجندات خفية، يختار الحقوقي الحقيقي — لا الهاوي للضجيج — أن يصمت بحكمة، ويتكلم حين يكون للكلمة معنى ومسؤولية.

فالصمت الشريف ليس ضعفا ولا هروبا من المواجهة، بل هو في كثير من الأحيان موقف وازن يعبر عن اتزان الفكر ونبل الغاية. إن الحقوقي الواعي حين يرى أن الساحة لوثها التهريج والابتزاز، وأن الكلام سيستغل لتأجيج الفتنة أو لتغذية حملات التشويه، فإنه يعرف أن الصمت هنا أصدق تعبير عن الموقف وأصفى تجسيد للضمير.

لقد بات المشهد العام في بعض المنصات مفتوحا أمام أقلام مأجورة وأصوات ملوثة، تقايض الكلمة بالمصلحة، وتحول النضال إلى تجارة، وتستغل قضايا الشرفاء لاصطياد الشهرة أو خدمة جهات ظلامية تعادي قيم الوطن والمؤسسات. وأمام هذا الانحراف الأخلاقي والحقوقي، لا يمكن للمناضل الشريف أن ينحدر إلى ذات المستوى، لأنه يملك من الوعي والمسؤولية ما يجعله يؤمن أن النضال الحق لا يقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف ونقاء اليد.

إن الناشط الحقوقي الحر، المؤمن بثوابت المملكة ومقدساتها، والمدافع عن الشرعية المؤسساتية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لا يحتاج إلى أن يزايد أو يصطنع المعارك ليثبت وجوده، لأن وجوده مؤسس على الشرعية القانونية والمبدئية، وعلى التزامه بخدمة الصالح العام داخل الإطار الدستوري الذي يحتكم إليه كل شريف غيور على وطنه.

وحين نلتزم الصمت، فليس لأننا نخاف أو نتراجع، بل لأننا نحترم القضاء المستقل، ونثق في مؤسسات الدولة، وندرك أن العدالة تسير بخطى ثابتة لا بضغط الشارع ولا بصخب المنصات. فالصمت في هذه اللحظات ليس انكماشا، بل انضباط أخلاقي ووقار مؤسساتي، لأننا نرفض أن نكون جزءا من مشهد يراد به ضرب ثقة المواطن في مؤسسات بلاده.

إننا في المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب نعتبر أن العمل الحقوقي الحقيقي ليس شعارا يرفع عند الحاجة، ولا منبرا للظهور الإعلامي أو للانتقام الشخصي، بل هو مسار طويل من الالتزام والمرافعة الهادئة المبنية على الأدلة والحجج القانونية. فمحاربة الفساد لا تكون بالادعاء والضجيج، بل بالمبادرات الميدانية، وبفتح الملفات داخل المؤسسات المختصة، وبالعمل الجاد في احترام تام للقانون والدستور.

إن الصمت الشريف، حين يكون عن وعي، هو قمة القوة لا قاع الضعف، لأنه دليل على قدرة الحقوقي على التحكم في رد الفعل، وانتظار اللحظة التي يكون فيها الصوت مؤثرا لا مكررا. فالحقوقي النزيه لا يتسابق إلى المنابر ليحصد الإعجابات، بل يتريث ليقول كلمته حين تنفع الكلمة وتبني الموقف. ذلك أن المعركة ضد الفساد ليست سباقا نحو الشهرة، بل امتحان للضمير في مواجهة الإغراءات.

نحن نعرف أن في الصمت كرامة، وفي التريث تبصر ، وفي انتظار الحقيقة احترام للقانون. أما الذين يتاجرون بالملفات الحقوقية يحولونها إلى مسلسلات رقمية للسب والتشهير، فهم لا يمثلون إلا أنفسهم، وقد كشفوا عن نواياهم حين جعلوا من الفضاء العمومي مسرحا لتصفية الحسابات وتلميع صورهم المزيفة على حساب الشرفاء.

ولهذا، فإننا نعلن بوضوح أن سكوتنا ليس تراجعا عن الموقف، بل هو وقفة تأمل واستعداد لجولة جديدة من النضال النزيه والمسؤول، نضال يحترم القضاء، ويقدر المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لحقوق المواطنين، ويستمد شرعيته من الدستور ومن إيماننا بوطن لا مكان فيه للمفسدين ولا للمبتزين.

سيبقى الصمت الشريف عنوان النبلاء، ولغة الحكماء، ودليلَ من يعرف أن الكلمة حين تستعمل في غير موضعها تفقد معناها، وأن الحق لا يحتاج إلى الصراخ، بل إلى رجال أحرار يحملونه بأخلاق سامية وثبات مبدئي لا يتزحزح.

فالصمت هنا ليس انسحابا، بل وقار الموقف وثبات الإيمان بالحق. وسكوتنا ليس خوفا، بل احترام للمسار القضائي وثقة في مؤسسات الدولة الشرعية. ومن ظن أن الصمت نهاية، فليعلم أنه بداية جولة جديدة من الدفاع عن الوطن وعن الشرفاء الذين آمنوا أن الحق يصان بالعقل لا بالعويل.

وبصفتي رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، للولاية الثانية، فإني أدعو كافة عضوات وأعضاء المنظمة، في كل المكاتب الجهوية والإقليمية والمحلية، إلى الالتزام الصارم بهذه المبادئ النبيلة، وجعلها ميثاق شرف نضالي وأخلاقي يؤطر أداءنا اليومي داخل ساحة الفعل الحقوقي.

إن مسؤوليتنا اليوم مضاعفة، لأننا نحمل أمانة الوطن وثقة الشعب، ونستلهم من التوجيهات الملكية السامية قيم النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فلنكن جميعا جنودا أوفياء لرسالة المنظمة، متمسكين بمبادئه الأصيلة القائمة على الشرعية، والاستقلالية، والالتزام بالقانون، ونظافة اليد، والصدق في خدمة الصالح العام.

ولنستمر، صفا واحدا ، في مواجهة الفساد، وفي الدفاع عن المال العام والمصلحة الوطنية، بكل شجاعة ومسؤولية وانضباط، إيمانا منا بأن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الفوضى، بل على العمل المؤسساتي الجاد والترافع النزيه في ظل دولة الحق والقانون.

من أجل مغرب نزيه، عادل، قوي بمؤسساته، متشبث بثوابته، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

✍️ رشيد هيلال

رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.