مهزلة تاريخية بإقليم برشيد … حين تتحول التزكية الحزبية إلى مكافأة للفشل وتحد لسادة القانون

بقلم رشيد هيلال رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

0

في مشهد سياسي يثير الكثير من علامات الاستفهام والذهول، يجد الرأي العام المحلي والوطني نفسه اليوم أمام واقعة يصعب استيعابها أو القبول بتبعاتها؛ رئيس سابق بمدينة برشيد، سبق أن صدر في حقه قرار بالعزل من منصبه على خلفية اختلالات تدبيرية، وتلاحقه ملفات ثقيلة معروضة أمام الأجهزة القضائية المختصة، يحصل بكل أريحية على تزكية رسمية من أحد الأحزاب السياسية للترشح وخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة.

​إن هذه الواقعة لا يمكن التعامل معها كحدث انتخابي عابر، بل هي مؤشر خطير يعكس خللا عميقا في التعاطي الحزبي مع مبادئ الحكامة وتخليق الحياة السياسية. فإذا كانت التزكية الحزبية في جوهرها الدستوري والأخلاقي تعني منح الثقة لرجالات ونساء الوطن القادرين على تمثيل المواطنين والدفاع عن المصلحة العامة تحت قبة البرلمان، فإن السؤال المفصلي الذي يطرح نفسه بحدة هو: ما هي المعايير والضوابط التي أصبحت تعتمدها بعض الأحزاب الوطنية في اختيار مرشحيها لمثل هذه الاستحقاقات المفصلية؟ وهل أصبحت الكفاءة والنزاهة وحسن التدبير مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي وتتراجع أمام حسابات انتخابية ضيقة وضمان المقاعد بأي ثمن؟

​إن الرهان الحقيقي والأسمى لأي استحقاق انتخابي في دولة الحق والقانون لا يكمن فقط في استيفاء الشكليات والتأكد من احترام المساطر القانونية الظاهرة، وإنما يمتد ليعكس مدى الحرص على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى المشاركة السياسية برمتها. إن هذه الثقة المفترض بناؤها لا يمكن أن تستقيم أو تنمو إذا كانت الهيئات الحزبية تصر على أن تقدم للناخبين وجوها ارتبط اسمها بالجدل وتدبير شؤون الجماعات والمرافق العامة بطرق أثارت انتقادات واسعة وشبهات مالية وإدارية لا تزال محط تمحيص.

​ومن باب الأمانة والالتزام القانوني، نشدد على أن فتح الملفات القضائية أو وجود متابعات جارية لا يعني بأي حال من الأحوال إصدار أحكام مسبقة بالإدانة؛ إذ يبقى الفصل النهائي في ذلك من اختصاص السلطة القضائية وحدها، احتراما لقرينة البراءة المؤطرة بالدستور والمواثيق الوطنية والدولية. غير أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تظل مستقلة تماما عن المسار القضائي. ومن حق الرأي العام والمجتمع المدني التساؤل بمرارة عن الرسائل والإشارات السلبية التي تبعث بها الأحزاب للمجتمع وللشباب خصوصا حين تمنح التزكيات لشخصيات أثير حولها هذا القدر الهائل من الجدل والقرارات الإدارية القاضية بالعزل.

​إن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تكون المبادرة والرائدة في ترسيخ قيم التخليق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام قرارات السلطات والمؤسسات الرقابية، لا أن تمنح الانطباع للشارع المغربي بأن الماضي لا قيمة له، وأن ذاكرة المواطنين قصيرة ويمكن تجاوزها بمجرد انطلاق الحملات الانتخابية.

​إن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، انطلاقا من أدوارها الدستورية والمجتمعية في التصدي لكافة مظاهر الفساد والريع والمساس بالمال العام، تؤكد أن التزكية ليست مجرد وثيقة إدارية للتسجيل في اللوائح، بل هي شهادة أمانة واستحقاق أمام الله وأمام المواطنين. وإن أي اختيار حزبي لا ينسجم مع معايير الشفافية والتخليق من شأنه أن يكرس النفور السياسي ويساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة المستشرية بين المواطن والعمل الحزبي.
​وبناء على ما تقدم، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب توجه نداء صريحا ومباشرا وتطالب بـ:

​التدخل العاجل لوزارة الداخلية: بصفتها الساهرة على سلامة ونزاهة الاستحقاقات الانتخابية، للتدقيق في ملاءمة الترشيحات مع مبادئ التخليق والنزاهة وتفعيل الصلاحيات الكفيلة بحماية التنافس الشريف.
​تحريك المفتشية العامة للإدارة الترابية: لمواصلة افتحاص وتتبع كافة الملفات الجماعية التي شابتها خروقات أو قرارات عزل، وتفعيل المتابعات اللازمة لضمان عدم استغلال النفوذ أو الموقع السياسي لعرقلة العدالة.

​إن التاريخ لا يرحم، وصناديق الاقتراع ستظل هي الفيصل الحقيقي والواقعي في تقييم اختيارات الأحزاب ومدى احترامها لذكاء المواطن. فالناخب المغربي اليوم أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين من يمتلك إرادة صادقة لخدمة الصالح العام، وبين من يستغل الهياكل الحزبية للعودة إلى المشهد السياسي وتثبيت المصالح الشخصية مهما كانت الظروف.

​وسنظل في المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب نؤدي رسالتنا ونطالب وندافع بكل حزم وإصرار عن قيم النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة حماية للوطن ومؤسساته.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.