سيدي العايدي من التهميش إلى دينامية الإصلاح.. قراءة في تجربة ميدانية تؤكد أن الإرادة الصادقة تصنع التحول

0

عن المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

تعتبر المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب أن الدفاع عن قيم النزاهة والحكامة الجيدة لا يقتصر على رصد مظاهر الفساد والاختلالات أو المطالبة بفتح التحقيقات وترتيب المسؤوليات، بل يمتد أيضا إلى تثمين التجارب الإدارية التي أثبتت نجاحها على أرض الواقع، باعتبار أن نشر ثقافة الاعتراف بالكفاءة يشكل أحد أهم المداخل لترسيخ الإدارة المواطنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيع المسؤولين على بذل مزيد من الجهد والعطاء في خدمة الوطن والمواطن.

ومن هذا المنطلق، فإن تجربة السيد عبد الإله الركاني، القائد السابق لجماعة سيدي العايدي، تفرض نفسها كنموذج يستحق التوقف عنده، ليس من باب الإشادة بالأشخاص، وإنما من زاوية تقييم الحصيلة الميدانية وقراءة النتائج التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، امتدت من 15 فبراير 2024 إلى 15 فبراير 2026، وهي مرحلة شهدت تحولات ملموسة في عدد من الملفات التي ظلت لسنوات طويلة تشكل مصدر معاناة للساكنة ومثار انتقاد من مختلف الفاعلين المحليين.

لقد عانت جماعة سيدي العايدي، وخاصة مركز الجماعة، لعقود من تراكمات متعددة، كان عنوانها الأبرز ضعف التأهيل الحضري، وتراجع جاذبية المجال، وغياب مشاريع بنيوية قادرة على إعادة الاعتبار لهذا المركز الذي يمثل الواجهة الإدارية والاقتصادية للجماعة. فقد كانت مظاهر التهميش واضحة للعيان، سواء من خلال انتشار النقط السوداء، أو ضعف العناية بالمجال العام، أو استمرار البناء غير المنظم، أو تراجع مستوى النظافة، أو غياب تدخلات فعالة لمعالجة عدد من الإشكالات التي أصبحت جزءا من المشهد اليومي.

وكانت الساكنة تعبر باستمرار عن تطلعها إلى مرحلة جديدة تتسم بالجدية والفعالية، مرحلة تجعل من القانون مرجعية في التدبير، ومن المصلحة العامة أولوية فوق كل الاعتبارات. غير أن تلك التطلعات ظلت لسنوات تصطدم بواقع اتسم ببطء الإنجاز، وضعف المبادرات، وتأخر معالجة الملفات العالقة، وهو ما عمق الإحساس بالإقصاء والتهميش داخل مركز الجماعة.

ومع حلول الخامس عشر من فبراير سنة 2024، بدأت مرحلة جديدة مع مباشرة السيد عبد الإله الركاني لمهامه قائدا على المنطقة، حيث اختار منذ البداية أسلوب العمل الميداني، وجعل من التواصل المباشر مع المواطنين، والإنصات لمشاكلهم، والوقوف على الاختلالات من عين المكان، منهجا في تدبير الشأن الترابي، بعيدا عن المقاربة التقليدية التي تكتفي بالتقارير المكتبية.

وقد اتسمت هذه المرحلة بسرعة التفاعل مع الإشكالات المطروحة، واعتماد مقاربة استباقية في معالجة عدد من الملفات، مع الحرص على التنسيق المستمر مع مختلف المتدخلين، بما في ذلك الجماعة الترابية، والمصالح الخارجية، والسلطات الأمنية، وهو ما خلق دينامية جديدة انعكست تدريجيا على المشهد العام داخل الجماعة.

ومن بين أبرز الأوراش التي طبعت هذه المرحلة، إعادة الاعتبار لمركز جماعة سيدي العايدي، حيث عرف المجال العام سلسلة من التدخلات التنظيمية التي هدفت إلى تحسين جمالية المركز، وإعادة النظام إلى عدد من الفضاءات، ومعالجة الاختلالات التي كانت تشوه صورته لسنوات طويلة. وقد ساهمت هذه التدخلات في تعزيز الشعور لدى المواطنين بأن الإدارة أصبحت أكثر حضورا، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر قربا من انشغالات الساكنة.

كما أوليت أهمية خاصة لمحاربة البناء العشوائي، باعتباره من الملفات الشائكة التي تؤثر بشكل مباشر على مستقبل التنمية المحلية. وقد اعتمدت السلطة المحلية خلال هذه الفترة سياسة قائمة على التطبيق الصارم للقانون، مع التصدي لمختلف مظاهر التوسع غير القانوني، حفاظا على التوازن العمراني، وصيانة للملك العام، وضمانا لحقوق الأجيال المقبلة في مجال منظم يحترم الضوابط القانونية والتعميرية.

ولم تكن هذه المهمة سهلة، بالنظر إلى ما يحيط بملف البناء العشوائي من تعقيدات اجتماعية وضغوط مختلفة، غير أن اعتماد الحزم في تنزيل القانون ساهم في الحد من انتشار الظاهرة، وأرسل رسالة واضحة مفادها أن احترام القانون يشكل أساس التنمية، وأن أي تساهل في هذا المجال ستكون له كلفة كبيرة على مستقبل الجماعة.

وفي الجانب البيئي، سجلت هذه المرحلة واحدا من أهم التدخلات التي لقيت استحسانا واسعا، ويتعلق الأمر بإزالة وتحويل مطرح النفايات الذي كان يوجد عند مدخل مركز الجماعة وسط المجال الغابوي وعلى مقربة من الطريق الوطنية رقم 9. فقد ظل هذا المطرح لسنوات يشكل نقطة سوداء تسيء إلى صورة المنطقة، وتؤثر على البيئة والصحة العامة، فضلا عن ما يسببه من روائح كريهة وتشويه للمنظر العام.

وجاء قرار إزالة هذا المطرح ليعكس إرادة حقيقية في معالجة المشاكل المزمنة بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة، حيث استعادت المنطقة جزءا مهما من رونقها، وأصبح المدخل الرئيسي للجماعة أكثر انسجاما مع متطلبات التأهيل الحضري والبيئي.

أما على مستوى البنية التحتية، فقد شهد الطريق الرابط بين سيدي العايدي ومدينة سطات عمليات صيانة وتنقية وتحسين، الأمر الذي ساهم في تسهيل حركة السير، والرفع من مستوى السلامة الطرقية، وتحسين ظروف تنقل المواطنين، وتعزيز الربط بين الجماعة ومحيطها الاقتصادي والإداري.

كما تميزت هذه المرحلة بالحضور الدائم للسلطة المحلية في مختلف الأوراش، حيث كان التتبع الميداني المستمر عاملا أساسيا في تسريع الإنجاز، وتجاوز عدد من العراقيل، وإيجاد حلول عملية للإشكالات التي كانت تعيق تنفيذ بعض المشاريع، وهو ما عزز ثقة المواطنين في دور الإدارة الترابية باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق التنمية.

وترى المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب أن هذه التجربة تؤكد أن حسن التدبير لا يقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما بمدى القدرة على توظيف الإمكانيات المتاحة بكفاءة، وترتيب الأولويات وفق حاجيات المواطنين، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، والالتزام الصارم بتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

كما تؤكد أن محاربة الفساد لا تتحقق فقط من خلال الزجر والمتابعة القضائية، وإنما أيضا عبر نشر ثقافة الإدارة المسؤولة، وتعزيز قيم الشفافية، وتثمين المسؤولين الذين يتركون بصمة إيجابية في مواقع المسؤولية، لأن الاعتراف بالنجاح يشجع على مضاعفة الجهود، ويكرس ثقافة الاستحقاق داخل المرفق العمومي.

وفي المقابل، فإن هذه التجربة تثير مجموعة من التساؤلات المشروعة حول الأسباب التي جعلت عددا من الإشكالات يستمر لسنوات طويلة دون معالجة، رغم أن بعضها لم يكن يحتاج سوى إلى إرادة إدارية قوية ومتابعة ميدانية جادة. وهو ما يبرز أن الإشكال في كثير من الأحيان لا يرتبط بضعف الإمكانيات، وإنما بغياب المبادرة، وتأخر اتخاذ القرار، وعدم ترتيب الأولويات بالشكل المطلوب.

ومن هذا المنطلق، تدعو المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب إلى ضرورة إجراء تقييم موضوعي للتجارب التدبيرية على أساس النتائج المحققة، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو الاعتبارات الشخصية، لأن التنمية الحقيقية تبنى على تقييم الأداء، واستخلاص الدروس، والاستفادة من التجارب الناجحة، وتعميم الممارسات الفضلى داخل مختلف الجماعات الترابية.

كما تؤكد المنظمة أن بناء إدارة حديثة وفعالة يقتضي دعم الكفاءات الإدارية التي تشتغل بروح المسؤولية، وتؤمن بخدمة الصالح العام، وتحترم القانون، وتجعل من المواطن محور كل تدخل، لأن الإدارة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية وضمان كرامة المواطن وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وفي الختام، فإن تجربة السيد عبد الإله الركاني على رأس قيادة سيدي العايدي، خلال الفترة الممتدة من 15 فبراير 2024 إلى 15 فبراير 2026، تشكل، وفق ما أفرزته الوقائع الميدانية، محطة بارزة في مسار تدبير الشأن المحلي، حيث برهنت على أن الإدارة القريبة من المواطن، والحازمة في تطبيق القانون، والقائمة على الحضور الميداني والتواصل المستمر، قادرة على إحداث تغيير حقيقي في فترة زمنية وجيزة.

كما تؤكد هذه التجربة أن الإصلاح ليس شعارا يرفع، بل ممارسة يومية، وإرادة صادقة، ورؤية واضحة، وعمل متواصل يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وهو ما ينبغي أن يشكل نموذجا يحتذى به في مختلف الجماعات الترابية خدمة للوطن والمواطن، وترسيخا لقيم الحكامة الجيدة والنزاهة والشفافية التي تنادي بها المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.