المنظمة تطالب بمحاسبة كل استفادة غير مشروعة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
تتابع المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، المكتب المركزي الوطني برئاسة السيد رشيد هيلال، باهتمام بالغ مستجدات تدبير وتنفيذ برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمختلف جهات وأقاليم المملكة، وما يرافقها من نقاش عمومي متزايد حول معايير وشروط الاستفادة من الدعم العمومي، وطرق تدبيره وصرفه، ومدى احترام مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مرتكزات دستورية أساسية في تدبير الشأن العام.
وإذ تجدد المنظمة اعتزازها العميق بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشا ملكيا استراتيجيا أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده من أجل محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي وتحقيق التنمية البشرية المستدامة وتعزيز العدالة المجالية، فإنها تعتبر أن صون هذا الورش الوطني يقتضي يقظة مؤسساتية ومجتمعية دائمة، وتفعيل آليات المراقبة والافتحاص والتقييم والمساءلة، لضمان عدم انحراف الدعم العمومي عن أهدافه الاجتماعية والتنموية، وللتأكد من وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين وفق معايير الشفافية وتكافؤ الفرص.
وانطلاقا من الأدوار الدستورية للمجتمع المدني في المساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تطالب بفتح تحقيق وطني شامل وتعميق البحث والتقصي والافتحاص في جميع ملفات الاستفادة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عبر مختلف جهات المملكة من طنجة إلى الكويرة، مع إخضاع كافة المشاريع والبرامج والجمعيات والتعاونيات والأشخاص الذاتيين والاعتباريين المستفيدين من الدعم العمومي لعملية تدقيق شاملة وموضوعية.
كما تدعو المنظمة إلى الوقوف بدقة على المسار الكامل للاستفادة من هذه البرامج، ابتداء من الإعلان عن طلبات المشاريع، مرورا بمرحلة إيداع ودراسة الملفات، ثم الانتقاء والمصادقة، وصولا إلى تنفيذ المشاريع وتتبعها وتقييم أثرها، مع التحقق من مدى احترام دفاتر التحملات والمعايير المعتمدة، ومدى وجود لجان انتقاء شفافة ومحايدة، وتفادي أي حالات تضارب المصالح أو استغلال النفوذ أو العلاقات الشخصية أو المهنية في منح الدعم العمومي.
وتؤكد المنظمة أن من بين الإشكالات التي تستدعي البحث والتقصي، وجود حالات استفادة محتملة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بدون سند قانوني كاف أو بدون احترام كامل للمساطر التنظيمية، أو بناء على معطيات غير دقيقة، أو دون تحقيق الشروط الموضوعية للاستحقاق، وهو ما يستوجب فتح افتحاص معمق لتحديد المسؤوليات الإدارية والمالية والقانونية، وترتيب الآثار القانونية اللازمة في حال ثبوت أي اختلالات.
كما تشدد المنظمة على ضرورة التحقق من مدى استمرارية المشاريع الممولة، ونجاعتها على أرض الواقع، ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة عند منح الدعم، خاصة في ظل تسجيل حالات مشاريع متوقفة أو غير مستغلة أو لا تحقق الأثر التنموي المطلوب، وهو ما يطرح إشكالية نجاعة صرف المال العام وفعالية برامج الدعم العمومي.
وتعتبر المنظمة أن أي استفادة غير مشروعة من أموال الدعم العمومي، سواء عبر تقديم معطيات أو تصريحات غير صحيحة، أو استعمال وثائق مزورة، أو استغلال النفوذ أو الوساطة، أو تضارب المصالح، أو أي شكل من أشكال التحايل على المساطر القانونية، أو الاستفادة بدون سند قانوني أو خارج شروط الاستحقاق، يشكل خرقا خطيرا لمبادئ الشرعية القانونية ولمصداقية البرامج العمومية، ويستوجب التفعيل الصارم للمساءلة القانونية والقضائية.
ويستند هذا المطلب إلى منظومة قانونية ودستورية متكاملة، حيث ينص دستور المملكة المغربية في فصله الأول على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤكد في فصله السادس على مساواة جميع المواطنين أمام القانون، ويكرس في فصله السابع على سمو القانون وضرورة احترامه من طرف الجميع، كما ينص الفصل 27 على الحق في الحصول على المعلومات باعتباره أداة أساسية للشفافية والرقابة المجتمعية.
كما ينص الفصل 31 من الدستور على التزام الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة الوسائل لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحقوق الأساسية وفي مقدمتها الحق في التنمية والعدالة الاجتماعية، بينما يكرس الفصل 36 تجريم ومعاقبة كل أشكال الفساد والرشوة والغدر واستغلال النفوذ واختلاس وتبديد الأموال العمومية والانحراف في تدبير المرفق العام، إضافة إلى الفصل 154 الذي يقرر خضوع المرافق العمومية لمعايير الشفافية والجودة والمحاسبة، والفصل 155 الذي يلزم القائمين عليها بالنزاهة والحياد وخدمة الصالح العام.
وعلى المستوى القانوني، تستند المنظمة كذلك إلى القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الذي يمنح للمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات صلاحيات واسعة في مراقبة وتقييم تدبير الأموال العمومية، وإلى القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، إضافة إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية الذي يكرس مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وكذا القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية الذي يهدف إلى تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص ومنع التعسف في الاستفادة من الخدمات العمومية.
كما أن القانون الجنائي المغربي يجرم بشكل واضح كل الأفعال التي تمس بالمال العام، خاصة جرائم الرشوة المنصوص عليها في الفصل 248 وما يليه، واستغلال النفوذ (الفصل 250)، والغدر، واختلاس وتبديد الأموال العمومية (الفصول 241 وما بعدها)، والتزوير واستعماله، وكل الأفعال التي تؤدي إلى الحصول على امتيازات أو أموال عمومية بدون وجه حق أو خارج الضوابط القانونية والتنظيمية.
وعليه، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تطالب المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشيات العامة للقطاعات الحكومية المعنية وكافة أجهزة الرقابة والتفتيش المختصة بمباشرة افتحاص وطني شامل ودقيق لكل برامج ومشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مع تتبع مسار التمويل والصرف والتنفيذ والتقييم، والكشف عن أي حالات استفادة غير قانونية أو غير مستحقة، وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية والمالية كلما ثبت وجود اختلالات أو تجاوزات أو شبهات فساد أو استغلال غير مشروع.
كما تدعو النيابة العامة المختصة إلى التفاعل الجدي والمسؤول مع خلاصات التقارير الرقابية والافتحاصات، واتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة كل الأفعال التي قد تشكل جرائم مالية أو فسادا أو استغلالا للنفوذ أو تبديدا للمال العام، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وتؤكد المنظمة أن هذا المطلب يندرج في إطار حماية المال العام وصيانة الثقة في المؤسسات وضمان عدالة توزيع الدعم العمومي، وليس موجها ضد أي جهة أو شخص بعينه، وإنما يهدف إلى تعزيز الشفافية وترسيخ دولة الحق والقانون وضمان نجاح الأهداف الاجتماعية والتنموية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وفي الأخير، تجدد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تأكيدها على أن حماية المال العام مسؤولية وطنية مشتركة، وأن ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل ركيزة أساسية لبناء نموذج تنموي عادل وفعال يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات ويضمن حسن تدبير الموارد العمومية.
صدر عن:المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب المكتب المركزي الوطني تحت إشراف رشيد هيلال رئيس المكتب المركزي الوطني