ما بعد ميثاق الدار البيضاء… حين تتحول المبادئ الى خطوات ترسم ملامح الميدان

0

ليست الخطوات التي تبدو عابرة في الفضاء العام مجرد حركة بلا معنى، وليست الصور التي توثق لحظات السير امتدادا عاديا لزمن يومي رتيب. فالعين التي تكتفي بالمشاهدة السطحية قد تخطئ التقدير حين تظن ان مسارات المدافعين عن الحقوق والحريات لا تتجاوز كونها نزهات عابرة، بينما الحقيقة ان كل خطوة في الميدان تحمل في عمقها قراءة واعية لواقع حي، لا تختزله التقارير ولا تحيط به الصياغات المكتبية مهما بلغت دقتها. فالميدان ليس فقط فضاء للمرور، بل مجال لاختبار المواقف، وميزان حقيقي تقاس فيه صدقية الشعارات بمدى تجسدها في الواقع.

في مدينة كالدار البيضاء، حيث تتقاطع الدينامية الاقتصادية مع تعقيدات الواقع الاجتماعي، وحيث تتجاور الفرص مع التحديات في مشهد يومي متحرك، يصبح النزول الى الميدان فعلا واعيا لا غنى عنه. فهذه اللحظة التي توثقها الصورة جاءت مباشرة بعد اجتماع مثمر جمع اعضاء المكتب المسير وعددا من الفاعلين، حيث انصبت النقاشات على قضايا جوهرية تمس تدبير الشان العام، وحماية الثروات الوطنية، وصون المال العام من كل اشكال العبث والتقصير. لقد كان اجتماعا مشبعا بروح المسؤولية، تميز بجرأة في الطرح ووضوح في الرؤية، واستحضار دقيق لحجم التحديات التي تواجه مسار الاصلاح الحقيقي.

غير ان الاجتماعات، مهما بلغت اهميتها، تظل في نظرنا مجرد نقطة بداية، وليست نهاية الطريق. فهي تؤسس للفكرة وتحدد الاتجاه، لكنها لا تعوض الاحتكاك المباشر بالواقع. فالاختبار الحقيقي يبدا حين نغادر القاعات وننزل الى الميدان، حيث تنكشف الحقائق كما هي، دون رتوش او تبرير. هناك فقط يظهر الفرق بين ما يسطر في الوثائق وما يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية، بين التصورات النظرية وتعقيدات التطبيق، وبين النوايا المعلنة ونتائجها على الارض.

ان الاقتراب من نبض الشارع ليس ترفا تنظيميا ولا اختيارا ظرفيا، بل هو ركيزة اساسية في فهم عمق الاشكالات المطروحة. فالمسؤولية الحقيقية لا تمارس من خلف المكاتب، بل تتجسد في القدرة على الانصات، والملاحظة، والتفاعل مع الواقع بكل تجلياته. ومن هذا المنطلق، فان الحضور في الفضاء العام بعد اجتماعات مكثفة يشكل امتدادا طبيعيا لعملنا، ويمنحنا رؤية اكثر شمولية، بعيدة عن الاختزال او الاحكام الجاهزة.

ان معركة الدفاع عن المال العام وترسيخ قيم النزاهة لا يمكن ان تختزل في خطابات او شعارات، بل هي مسار طويل يتطلب عملا يوميا متواصلا، تتكامل فيه الرؤية مع الفعل. فحين تتحول المبادئ الى ممارسة ملموسة، يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته، حينها فقط تكتسب الكلمات معناها الحقيقي. وفي قلب الميدان تتضح الاولويات، وتبرز التحديات الحقيقية، وتنكشف تلك التفاصيل الدقيقة التي قد تغيب عن الحسابات التقنية الجامدة.

ان هذه الصورة، في بساطتها، تختزل الكثير من المعاني. فهي ليست مجرد توثيق للحظة عابرة، بل تعبير صامت عن التزام مستمر، وعن ارادة لا تلين في مواصلة الطريق. انها رسالة واضحة مفادها اننا نتحرك بوعي، ونراقب بيقظة، ونتابع بكل مسؤولية، دون ان نحيد عن مبادئنا او نتراجع امام الصعوبات. فالمسؤولية التي نحملها ليست شرفا رمزيا، بل عبء وطني يتطلب حضورا دائما واستعدادا متواصلا للتضحية.

وعندما نتحدث عن محاربة الفساد وحماية مقدرات الوطن، فنحن لا نستحضر مفاهيم مجردة، بل نعبر عن التزام راسخ يقوم على الصدق والوضوح والجرأة. التزام يرفض المساومة، ولا يقبل انصاف الحلول، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فمحاربة الفساد ليست مواجهة عابرة، بل مسار استراتيجي يحتاج الى نفس طويل، وارادة ثابتة، وتكاثف جهود كل القوى الحية التي تؤمن بضرورة الاصلاح الحقيقي.

اننا في المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام نؤمن بان بناء دولة الحق والقانون لا يتحقق الا بالفعل الميداني المسؤول، وبالتراكم الجاد، وبالاستمرارية التي لا تعرف الانقطاع. كما نؤمن بان استعادة ثقة المواطن تمر عبر الوضوح في المواقف، والجرأة في الطرح، والالتصاق الحقيقي بقضايا المجتمع، بعيدا عن كل مظاهر الشكلانية او الخطاب المناسباتي.

وفي هذا السياق، يظل الرهان الاكبر هو تحويل العمل الحقوقي من مجرد خطاب نخبوي الى ممارسة يومية قريبة من المواطن، قادرة على التاثير في حياته بشكل مباشر. فكل خطوة في الميدان، وكل تفاعل مع واقع الناس، هو لبنة جديدة في بناء وعي جماعي يؤمن بان النزاهة ليست خيارا ثانويا، بل اساس لكل تنمية حقيقية.

ستظل خطواتنا ثابتة على هذا الدرب، قريبة من الميدان، منحازة لانشغالات المجتمع، ومدافعة عن قيم النزاهة بكل وضوح ومسؤولية. لان خدمة الوطن ليست محطة عابرة، بل التزام دائم وعقيدة نضالية نترجمها الى فعل يومي، ايمانا منا بان الحق يعلو ولا يعلى عليه، وان ارادة الاصلاح الصادقة قادرة، مهما تعاظمت التحديات، على فرض مسارها وتحقيق اهدافها.

بقلم رشيد هيلال
رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.