خلف أضواء الغيوان ومسناوة حينما تعيد الصداقة صياغة التاريخ الفني
رشيد هيلال رئيس المكتب المركزي الوطني
في زمن تلاشت فيه الكثير من الروابط الإنسانية أمام سرعة التكنولوجيا تبرز بين الحين والآخر قصص تذكرنا بأن الفن في جوهره ليس مجرد ألحان وكلمات بل هو علاقات إنسانية تتجاوز الزمن وتتحدى النسيان إن هذه الصورة التي تجمعني بصديق العمر وأخي الفنان القدير حميد باطما ليست مجرد لقطة عفوية التقطتها عدسة هاتف في لحظة صفاء بل هي توثيق لحقيقة واقعة وشهادة على مسيرة طويلة من الوفاء والمحبة التي لم تنل منها عواصف السنين ولا تقلبات الحياة لقد كانت هذه الصورة انعكاسا صادقا لعمق العلاقة التي تربطنا والتي استمرت وتطورت لتصل إلى ما يزيد عن ثلاثين سنة من الأخوة الصادقة التي بنيناها على أسس من الاحترام والتقدير المتبادل والغيرة المشتركة على الفن المغربي الأصيل.
ثلاثون عاما من الأخوة ليست مجرد رقم في قاموس السنوات بل هي عمر كامل تشاركنا فيه أفراح الفن وتحديات الحياة وتفاصيل المعيش اليومي والبحث الدائم عن معنى الأصالة في زمن كثرت فيه المتغيرات حميد باطما الذي أعتز بصداقته الشخصية والعميقة ليس فقط ابنا لعائلة باطما العريقة التي شكلت العمود الفقري للموسيقى الاحتجاجية والروحية في المغرب بل هو خزان ذاكرة حي يجمع بين إرث الراحلين العربي ومحمد باطما وبين تجربة خاصة صقلتها السنون والخبرات التي خاضها في مسارات فنية متعددة لقد كان دائما صوتا يعبر عن هموم الناس وطموحاتهم وهو في ذلك يحمل الأمانة التي ورثها عن أجداده ومن سبقوه في هذا الدرب الطويل هذا اللقاء وهذه الصورة هما امتداد لرحلة بحث مستمرة عن الجذور حيث تجتمع الكلمة التي نؤمن بها جميعا مع النغمة التي يحملها حميد في حنجرته ووجدانه لتعيد استحضار زمن الفن الجميل الذي تربينا عليه وتربى عليه أجيال من المغاربة الذين لا يزالون يتوقون إلى سماع ما يلامس أرواحهم.
إن ما أكشف عنه اليوم من خلال هذا التعاون وعبر هذه الصورة التي تعبر عن واقع نعيشه هو دعوة صريحة للعودة إلى الزمن الجميل زمن المجموعات الغنائية التي كان صوتها يتردد في كل بيت مغربي ويحمل قضايا الوطن والمواطن يطمح هذا العمل الذي يجمع بين روح مجموعة مسناوة تلك الفرقة التي تميزت بجرأة طرحها وصدق إيقاعها وبين عبق ناس الغيوان الذي ما زال حيا في وجداننا إلى تقديم وجبة فنية دسمة تليق بذائقة الجمهور المغربي الوفي المشروع يسعى لتقديم رؤية موسيقية لا تكتفي باجترار الماضي أو تكرار ما قيل من قبل بل تبني جسرا متينا بين جيل الرواد وجيل اليوم من خلال صياغة فنية تراعي معطيات العصر وتطوراته مع الحفاظ المطلق على الهوية الغيوانية التي تعتبر ركيزة أساسية في هويتنا الثقافية لا يمكن المساس بها أو التنازل عن جوهرها.
الجمهور المغربي خاصة عشاق الحال بات متعطشا لأعمال فنية تحمل الصدق في كلمتها والعمق في ألحانها ففي ظل انتشار الأغاني الاستهلاكية السريعة التي تظهر وتختفي دون أن تترك أثرا يرى الكثيرون في هذا التعاون ترياقا يعيد الاعتبار للكلمة الهادفة واللحن الذي يلامس القلوب ويحرك المشاعر إن وجود اسم كحميد باطما في هذا المشروع يعطي صك ضمان للأصالة ويفتح الباب أمام استعادة بريق المجموعات التي شكلت الهوية الموسيقية للمغرب وجعلت من الأغنية المغربية رقما صعبا في الساحة الفنية العربية والدولية.
إن الهدف الأسمى من هذا التعاون وهذا التقارب هو الوفاء لإرث العمالقة الذين رحلوا والذين تركوا إرثا موسيقيا عالميا بصبغة مغربية صرفة إنها محاولة جادة لإعادة ترتيب الذاكرة الجماعية حيث نسعى لتقديم مادة فنية لا تبحث عن التريند أو الانتشار المؤقت بقدر ما تبحث عن الخلود في ذاكرة المستمع والارتقاء بذائقته بينما ننتظر الكشف عن أولى ثمار هذا اللقاء وهذا العمل المشترك تبقى هذه الصورة رمزا لما يمكن أن يفعله الفن عندما يمتزج بالصداقة الصادقة التي صمدت لأكثر من ثلاثة عقود في وجه كل التحديات هي رسالة مفادها أن الفن المغربي بخير طالما هناك من لا يزال يؤمن بأن الكلمة والنغمة هما أقوى سلاح للحفاظ على الهوية وكرامة الإنسان وصوت الحق.