افتتاحية

0

 

بقلم: رشيد هيلال
رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

إن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق بالشعارات، وإنما بوجود مؤسسات دستورية قوية، تمارس اختصاصاتها باستقلالية ومسؤولية، وتسهر على حماية المال العام، وتدعم مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي هذا السياق، يبرز المجلس الأعلى للحسابات باعتباره إحدى الدعائم الأساسية للرقابة على تدبير المالية العمومية، ومؤسسة دستورية تضطلع بأدوار محورية في ترسيخ الحكامة الجيدة، وفقا للمقتضيات الدستورية والقانونية المعمول بها بالمملكة المغربية.

لقد جعل دستور المملكة من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة خيارا استراتيجيا، باعتبارهما من الأسس التي يقوم عليها تدبير الشأن العام، كما أن الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ما فتئت تؤكد، في مختلف الخطب والتوجيهات الملكية السامية، على ضرورة تخليق الحياة العامة، وتعزيز الشفافية، وحسن تدبير المال العام، بما يخدم التنمية المستدامة ويصون حقوق المواطنات والمواطنين.

وفي هذا الإطار، استطاعت السيدة زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، أن تقدم نموذجا للمسؤولية الوطنية القائمة على الكفاءة والاستقلالية والالتزام، وأن تعزز مكانة المجلس باعتباره مؤسسة دستورية تؤدي أدوارا رقابية مهمة في تقييم السياسات العمومية، ومراقبة تدبير الموارد العمومية، وإصدار تقارير تشكل مرجعا مؤسساتيا في دعم الإصلاح وتطوير الأداء العمومي.

ومن موقعنا داخل المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، فإننا ننظر إلى المؤسسات الرقابية باعتبارها شريكا أساسيا في تكريس دولة القانون والمؤسسات، لأن حماية المال العام لا تقتصر على التصدي للاختلالات بعد وقوعها، بل تبدأ بإرساء ثقافة الوقاية، وتعزيز مبادئ النزاهة، وتحسين الحكامة، وتطوير آليات التقييم والافتحاص، وترسيخ ثقافة التدبير المسؤول داخل مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية.

إن التقارير الرقابية التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات تمثل قيمة مؤسساتية كبيرة، بما توفره من معطيات وتوصيات تساعد على تحسين الأداء الإداري والمالي، وترشيد الإنفاق العمومي، وتطوير جودة الخدمات العمومية، في إطار احترام الاختصاصات الدستورية والقانونية للمجلس، وبما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وتؤمن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب بأن محاربة الفساد ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكامل أدوار المؤسسات الدستورية والسلطات القضائية والإدارية، وهيئات الحكامة، والمجتمع المدني، والإعلام المهني المسؤول، في إطار من التعاون واحترام الاختصاصات وسيادة القانون.

كما تؤكد المنظمة أن دعم المؤسسات الرقابية لا يعني فقط توفير الإمكانات الضرورية لعملها، بل يقتضي أيضا نشر ثقافة احترام نتائج أعمالها، والتفاعل الإيجابي مع توصياتها، والاستفادة منها في تطوير السياسات العمومية، وتعزيز جودة التدبير، بما يحقق النجاعة والشفافية وحسن استعمال الموارد العمومية.

وإن المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تواصل ترسيخ نموذج مؤسساتي يقوم على تحديث الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الحكامة الجيدة، وهو مسار يستوجب انخراط جميع الفاعلين بروح المسؤولية الوطنية، من أجل حماية المال العام وصيانة المكتسبات الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تتقدم بتحية تقدير واحترام إلى السيدة زينب العدوي، تثمينا لمسارها المهني والمؤسساتي، وللجهود التي تبذلها في إطار المهام الدستورية للمجلس الأعلى للحسابات، وتؤكد أن خدمة الوطن تظل مسؤولية مشتركة، وأن صيانة المال العام وحماية المرفق العمومي وتعزيز الحكامة الجيدة تشكل ركائز أساسية لبناء مغرب أكثر شفافية ونجاعة وعدالة.

كما تجدد المنظمة التزامها، من موقعها كهيئة مدنية حقوقية، بمواصلة الإسهام في نشر ثقافة النزاهة، والدفاع عن المال العام، والترافع من أجل تعزيز آليات الوقاية من الفساد، ودعم كل المبادرات الوطنية الرامية إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، في إطار احترام المؤسسات والثوابت الدستورية للمملكة.

حفظ الله مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار، وأقر عين جلالته بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

رشيد هيلال
رئيس المكتب المركزي الوطني
المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.