افتتاحية صباحية بقلم رشيد هيلال

0

الذاكرة ليست ملكا للماضي.. بل حق للأجيال ومستقبل للأوطان


ليست الذاكرة مجرد سرد لأحداث مضت وانقضت، وليست صفحات صفراء تحفظها رفوف الأرشيف أو خزائن المكتبات، وإنما هي جزء من هوية الشعوب، وركن أساسي في بناء الوعي الجماعي، وحق أصيل من حقوق الإنسان لا يقل أهمية عن الحق في العدالة أو الكرامة أو الحرية. فالأمم التي تصون ذاكرتها، وتحافظ على وثائقها، وتحترم شهادات صناع تاريخها، هي الأمم الأكثر قدرة على بناء المستقبل بثقة ومسؤولية.

ومن هذا المنطلق، فإن ظهور وثائق وشهادات تاريخية ظلت غائبة عن الرأي العام لعقود طويلة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره حدثا ثقافيا عابرا، بل باعتباره مناسبة لإعادة قراءة التاريخ بعيون أكثر إنصافا، والإنصات إلى أصوات ظلت حبيسة الأرشيف سنوات طويلة. فالحقيقة لا تسقط بالتقادم، والذاكرة لا ينبغي أن تكون رهينة الحسابات السياسية أو الإيديولوجية، لأن إنصاف التاريخ هو جزء من إنصاف الإنسان.

لقد علمتنا التجارب الإنسانية أن الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الزمن، وأن الفكر الحر يبقى حيا مهما طال الصمت حوله. فالمبدعون والمفكرون لا يتركون للأجيال الكتب والقصائد فقط، بل يتركون أيضا شهادات حية تكشف كيف ولدت الأفكار، وكيف تشكل الوعي، وكيف قاوم الإنسان الظلم بالكلمة عندما عجز عن مواجهته بوسائل أخرى.

إن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تنظر إلى الحق في الذاكرة باعتباره امتدادا لمنظومة الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية، لأن الحقيقة التاريخية ليست ملكا لفئة دون أخرى، بل هي إرث إنساني مشترك ينبغي الحفاظ عليه، وصيانته من كل أشكال التزييف أو التحريف أو الاستغلال.

فكما ندافع عن حماية المال العام من العبث، فإننا ندافع أيضا عن حماية الرصيد الثقافي والفكري والرمزي للأمم من الضياع. وكما نرفض الفساد الإداري والمالي، فإننا نرفض كذلك كل أشكال الفساد الفكري الذي يسعى إلى تزوير الوقائع أو طمس الحقائق أو إعادة كتابة التاريخ وفق منطق القوة بدل منطق الحقيقة.

لقد أثبت التاريخ أن الثقافة كانت دائما أحد أهم أسلحة الشعوب في مواجهة الظلم، وأن الكلمة الحرة كثيرا ما انتصرت على أدوات القمع والإقصاء. فالأفكار الصادقة لا تموت، والقصائد الخالدة لا يطويها الزمن، والوثائق الصادقة تبقى شاهدة على العصور مهما تغيرت الظروف.

إن الدفاع عن الذاكرة لا يعني استدعاء الماضي لإحياء الخصومات، وإنما يعني الاستفادة من دروسه لبناء مستقبل أكثر عدلا وإنصافا. ولذلك فإن احترام الأرشيف الوطني والإنساني، وتشجيع البحث العلمي، وإتاحة الوثائق للباحثين وفق الضوابط القانونية، كلها ممارسات تعزز الشفافية وترسخ الثقة في المؤسسات، وتكرس حق المجتمع في الوصول إلى المعرفة.

كما تؤمن المنظمة بأن العدالة الثقافية أصبحت اليوم جزءا من العدالة الشاملة، وأن حماية التراث الفكري والإنساني مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية المال العام أو مكافحة الرشوة. فالمجتمع الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءا من شخصيته، والأمة التي تسمح بتشويه تاريخها تفتح الباب أمام تشويه حاضرها ومستقبلها.

إن المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، جعلت من صيانة التراث الثقافي والإنساني وتعزيز قيم الحوار والانفتاح أحد الخيارات الاستراتيجية للدولة، وهو ما يعكس وعيا عميقا بأهمية الثقافة في تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون.

وانطلاقا من مسؤوليتها الحقوقية والمدنية، تدعو المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب إلى مواصلة دعم المبادرات العلمية والثقافية التي تعيد الاعتبار للذاكرة الوطنية والإنسانية، وتشجع على نشر الوثائق والدراسات الرصينة، وترسخ ثقافة البحث والمعرفة، باعتبارهما أساسا لبناء مجتمع واع بحقوقه وواجباته.

كما تؤكد المنظمة أن احترام حرية الفكر والإبداع، وصيانة الكلمة المسؤولة، وتشجيع الإنتاج الثقافي الجاد، تمثل جميعها استثمارا في الإنسان، والإنسان هو الثروة الحقيقية لكل أمة تسعى إلى التقدم والازدهار.

إن رسالتنا اليوم ليست فقط محاربة الرشوة وصيانة المال العام، بل أيضا الدفاع عن منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها الصدق، والأمانة، واحترام الحقيقة، والوفاء للذاكرة، والإيمان بأن العدالة لا تتحقق في المحاكم وحدها، وإنما تتحقق كذلك في كتابة التاريخ بإنصاف، وفي احترام الإنسان، وفي حماية حق الأجيال في معرفة الحقيقة.

وفي الختام، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تؤكد أن الثقافة والعدالة شريكان في بناء الأوطان، وأن الذاكرة ليست ترفا فكريا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية. فحين نحمي الحقيقة، نحمي الإنسان، وحين نصون الذاكرة، نصون هوية الشعوب، وحين ننتصر للكلمة الحرة، فإننا ننتصر لقيم العدالة والكرامة التي تشكل أساس كل مجتمع يسعى إلى مستقبل أكثر إشراقا واستقرارا.

رشيد هيلال
رئيس المكتب المركزي الوطني
المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.