الظهير الملكي القاضي بتنفيذ قانون مهنة المحاماة يفرض مرحلة جديدة من النقاش القانوني والمؤسساتي

0

تابعت المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب باهتمام بالغ التطورات المرتبطة بالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ولا سيما بعد نشر الظهير الملكي القاضي بتنفيذه في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، وما ترتب عن ذلك من دخول القانون حيز التنفيذ، في سياق احتجاج مهني مستمر يخوضه المحامون منذ 15 يونيو الماضي.

وترى المنظمة أن صدور الظهير الشريف القاضي بتنفيذ القانون يشكل محطة دستورية ومؤسساتية جديدة، تفرض على مختلف الأطراف، كل من موقعه واختصاصه، الانتقال من مرحلة النقاش والاحتجاج على مشروع القانون إلى مرحلة التعامل مع نص قانوني قائم ونافذ، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال إغلاق باب النقاش العمومي أو منع الفاعلين المهنيين والحقوقيين والمدنيين من ممارسة حقهم في النقد والتقييم وإبداء الملاحظات.

إن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، باعتبارها هيئة حقوقية ومدنية مستقلة، تؤكد أن احترام دولة الحق والقانون والمؤسسات يقتضي التمييز بوضوح بين شرعية الاحتجاج والتعبير عن المواقف من جهة، وبين احترام القوانين النافذة والمؤسسات الدستورية من جهة أخرى. فالقوانين، بعد استكمال مسارها التشريعي وصدورها وفق المقتضيات الدستورية والقانونية الجاري بها العمل، تصبح جزءا من المنظومة القانونية الوطنية، ويظل تعديلها أو مراجعة بعض مقتضياتها رهينا بالآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة.

وفي هذا الإطار، تعتبر المنظمة أن انتهاء مرحلة الاحتجاج على مشروع القانون لا يعني بالضرورة القبول غير المشروط بجميع مقتضياته، كما لا يعني إسقاط حق المحامين في تقييم القانون الجديد أو إبراز ما يرونه من اختلالات أو إشكالات مهنية وقانونية. وإنما يعني، في نظر المنظمة، ضرورة الانتقال إلى أساليب جديدة في الترافع، تقوم على الدراسة القانونية الرصينة، والحوار المؤسساتي، وتقديم المقترحات العملية، واستعمال الآليات التي يتيحها القانون والدستور للمطالبة بالمراجعة أو التعديل.

كما تؤكد المنظمة أن مهنة المحاماة ليست مجرد مهنة عادية، وإنما تشكل إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدالة وحماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة، ولذلك فإن أي تشريع يتعلق بتنظيمها ينبغي أن يحظى بنقاش جدي ومسؤول، وأن يوازن بين ضرورة تنظيم المهنة وتطويرها وبين ضمان استقلالها، وصيانة حقوق المتقاضين، وحماية حق الدفاع، وتعزيز الثقة في العدالة والمؤسسات.

وترى المنظمة كذلك أن المرحلة المقبلة تقتضي فتح نقاش هادئ ومسؤول بين مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم الحكومة والسلطة التشريعية والمؤسسات القضائية والهيئات المهنية للمحامين والمجتمع المدني والفعاليات الحقوقية، بهدف تقييم النص الجديد على ضوء التطبيق العملي، ورصد ما قد يبرز من صعوبات أو ثغرات أو آثار غير مقصودة.

وفي السياق ذاته، تسجل المنظمة أن النقاش حول المسار الذي قطعه القانون، بما في ذلك عرضه على البرلمان وإحالته على المحكمة الدستورية واستكمال الإجراءات المؤدية إلى نشره وتنفيذه، يظل نقاشا قانونيا ومؤسساتيا مشروعا، شريطة أن يتم داخل الإطار الدستوري والقانوني وبعيدا عن أي تأويلات قد تمس باستقلال المؤسسات أو تخل بمبدأ الفصل بين السلط.

وتؤكد المنظمة أن احترام المؤسسات لا يتعارض مع النقد، كما أن احترام القانون لا يعني منع المطالبة بتعديله. فالدولة الديمقراطية تقوم على التفاعل المستمر بين المؤسسات والمجتمع، وعلى إمكانية مراجعة التشريعات عندما يكشف التطبيق العملي عن الحاجة إلى تطويرها أو تصحيح بعض مقتضياتها، وفق المساطر التي يحددها الدستور والقانون.

ومن هذا المنطلق، تدعو المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب جميع الأطراف المعنية بهذا الملف إلى تغليب لغة الحوار والحكمة والمسؤولية، والابتعاد عن كل ما من شأنه تعميق التوتر بين الجسم المهني وباقي المؤسسات، والعمل على بناء أرضية مشتركة تحفظ هيبة القانون واستقلال مهنة المحاماة في آن واحد.

كما تؤكد المنظمة أن الترافع الحقوقي والمدني لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مع المؤسسات، وإنما يجب أن يظل موجها نحو تعزيز الحكامة، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، والدفاع عن استقلال القضاء ومهنة المحاماة، وتحقيق المصلحة العامة.

وفي ما يتعلق بالإضراب والامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، ترى المنظمة أن القرار النهائي بشأن مستقبل الاحتجاج يظل شأنا مهنيا يعود إلى الهيئات المختصة داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، غير أن المرحلة الجديدة التي بدأت مع دخول القانون حيز التنفيذ تفرض قراءة مختلفة للواقع القانوني، تقوم على المسؤولية واحترام المؤسسات، مع الاحتفاظ بالحق في النقد والترافع والمطالبة بالإصلاح بالوسائل القانونية المشروعة.

وتشدد المنظمة على أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين، وإنما أيضا بقدرتها على الإنصات إلى الملاحظات والانتقادات البناءة، واستعدادها لتقييم النصوص القانونية بعد دخولها حيز التطبيق. كما أن قوة الهيئات المهنية لا تقاس فقط بقدرتها على الاحتجاج، وإنما كذلك بقدرتها على تقديم البدائل والمقترحات القانونية والمهنية القابلة للتنفيذ.

إن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تعتبر أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تقييم ومراقبة وترافع مؤسساتي، مع الاستمرار في رصد مدى احترام القانون للحقوق والحريات ومبادئ الحكامة الجيدة، ومدى انعكاس مقتضياته على المتقاضين والمحامين وعلى حسن سير العدالة.

وفي الختام، تؤكد المنظمة أن احترام الظهير الملكي القاضي بتنفيذ القانون رقم 66.23، باعتباره نصا قانونيا نافذا، لا يمنع من استمرار النقاش حول مضامينه وآثاره، ولا يسقط الحق في المطالبة بتعديله متى ظهرت أسباب قانونية ومهنية وحقوقية تستدعي ذلك. غير أن هذا الترافع ينبغي أن يتم من داخل دولة المؤسسات والقانون، وبأساليب حضارية ومسؤولة، بما يخدم العدالة ويحمي الحقوق ويعزز الثقة في المؤسسات.

عن المكتب المركزي الوطني
للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.