بيان حقوقي حول ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين
عبد العزيز بوهدون رئيس الفرع الجهوي لجهة فاس مكناس
بقلم: السيد عبد العزيز بوهدون، رئيس الفرع الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس
في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين، يعبر المكتب الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس عن بالغ انشغاله إزاء التطورات المرتبطة بارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية، وما يترتب عنها من انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية، ولا سيما الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، التي أصبحت تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في تأمين حاجياتها اليومية.
وتسجل المنظمة، من خلال ما يصلها من ملاحظات وانشغالات المواطنين، ومن خلال مواكبتها للنقاش العمومي المرتبط بوضعية الأسواق، أن ارتفاع الأسعار لم يعد مرتبطا بمادة غذائية واحدة، وإنما أصبح يشمل مجموعة من المنتجات التي تشكل جزءاً أساسيا من المائدة المغربية، من قبيل اللحوم البيضاء والبيض وعدد من الخضر، في الوقت الذي أصبحت فيه اللحوم الحمراء بالنسبة إلى شرائح واسعة من المواطنين مادة يصعب اقتناؤها بانتظام بسبب ارتفاع كلفتها مقارنة بالقدرة الشرائية للأسر.
إن استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية يضع المواطن أمام معادلة معيشية صعبة، تتمثل في ارتفاع النفقات مقابل محدودية الدخل وثباته بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع. وهذا الوضع يدفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليص بعض المصاريف، والبحث عن بدائل أقل تكلفة، بل والاستغناء أحيانًا عن بعض المواد التي كانت إلى وقت قريب جزءًا طبيعيًا من الاستهلاك اليومي.
ومن منظور حقوقي، فإن القضية لا تتعلق بمجرد أرقام مرتبطة بالسوق، وإنما بانعكاسات مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين وعلى قدرتهم على تأمين حاجياتهم الأساسية في ظروف تحفظ كرامتهم. فالقدرة الشرائية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبمستوى الاستقرار الأسري والاجتماعي، ولذلك فإن حمايتها ينبغي أن تكون ضمن أولويات السياسات العمومية، وليس مجرد ملف ظرفي يثار عند ارتفاع الأسعار ثم يتراجع الاهتمام به.
إن ما يثير الانشغال كذلك هو التساؤلات التي يطرحها المواطن حول الطريقة التي تتشكل بها الأسعار قبل وصول المنتجات إلى المستهلك. فمن المنتج إلى تاجر الجملة، ثم إلى تاجر التقسيط، تمر المواد الغذائية عبر مراحل متعددة، وهو ما يجعل من الضروري تعزيز الشفافية في مسالك الإنتاج والتوزيع، ومعرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الارتفاعات المسجلة، ومدى احترام قواعد المنافسة، وكيفية تحديد هوامش الربح في مختلف مراحل سلسلة التوزيع.
وإن طرح هذه التساؤلات لا يعني توجيه الاتهام إلى أي جهة أو شخص، كما لا يعني إصدار أحكام مسبقة، وإنما يعكس حق المواطن في معرفة الحقيقة، وحقه في الحصول على المعلومة الدقيقة، وحقه في سوق شفافة تحترم قواعد المنافسة والنزاهة، وتوفر له حماية حقيقية من أي ممارسة غير مشروعة متى ثبتت قانونا .
وفي هذا السياق، تكتسي أسعار اللحوم البيضاء والبيض والخضر أهمية خاصة، بالنظر إلى حضورها المتكرر في الاستهلاك اليومي للأسر المغربية، وبالتالي فإن أي ارتفاع متزامن في أسعارها ينعكس بصورة مباشرة على ميزانية الأسرة، خصوصًا بالنسبة إلى المواطنين الذين لا يتوفرون على هامش مالي يسمح لهم بمواجهة الزيادات المتتالية.
كما أن تداول معطيات حول ارتفاع أسعار بعض الخضر، ومنها الفلفل وغيره من المنتجات، يستوجب التعامل معها بالتحقق والموضوعية، من خلال المراقبة الميدانية وتوفير المعلومة الرسمية للمستهلك، حتى لا تصبح الأسواق مجالا خصبا للإشاعات والتضارب في المعطيات.
أما اللحوم الحمراء، فإن وضعيتها أصبحت تفرض نقاشا جديا حول قدرة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل على الوصول إليها بصورة منتظمة، بعدما تحولت بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين من مادة غذائية معتادة إلى مادة ترتبط بالقدرة الاستثنائية على الإنفاق أو بالمناسبات. وهذه الوضعية تستوجب تقييم السياسات المتخذة لمعالجة ارتفاع الأسعار، والبحث عن حلول مستدامة تضمن استقرار السوق وتحمي المستهلك، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالح المنتجين والمهنيين الشرفاء.
وتؤكد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس أن محاربة المضاربة والاحتكار والممارسات غير المشروعة لا يمكن أن تكون مجرد حملات موسمية، وإنما ينبغي أن تكون مسارا مؤسساتيًا دائما يقوم على المراقبة والتتبع والشفافية وتطبيق القانون متى ثبتت المخالفات.
كما أن حماية المستهلك مسؤولية مشتركة بين المؤسسات العمومية المختصة، وأجهزة المراقبة، والمنتجين والمهنيين، وجمعيات حماية المستهلك، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام. ولذلك فإن تعزيز آليات الرصد المجتمعي وتوثيق الاختلالات وتشجيع المواطنين على التبليغ عنها، مع إحالة المعطيات الجدية على الجهات المختصة للتحقق منها، من شأنه أن يساهم في بناء سوق أكثر شفافية وعدالة.
وفي ظل هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ترى المنظمة أن للإعلام المهني والمستقل مسؤولية أساسية في نقل نبض المجتمع ومواكبة القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة تفاصيل اللقاءات والأنشطة السياسية، وإنما يحتاج كذلك إلى إعلام يطرح الأسئلة الحقيقية حول الأسعار والقدرة الشرائية ومسالك التوزيع وآليات المراقبة والإجراءات المتخذة لحماية المستهلك.
فالصحافة المهنية لا تكتفي بنقل التصريحات، وإنما تبحث عن المعلومة وتتحقق منها وتستمع إلى مختلف الأطراف، وتنقل معاناة المواطنين، وتضع المؤسسات أمام مسؤولياتها في إطار القانون وأخلاقيات المهنة، بعيدا عن التهويل أو التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة.
وفي سياق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يؤكد المكتب الجهوي للمنظمة أن المواطن يظل صاحب القرار في ممارسة حقه الدستوري في الاختيار، وأن صوته أمانة ومسؤولية، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد رقم انتخابي أو وسيلة لتحقيق مصالح سياسية أو انتخابية ضيقة.
كما تحذر المنظمة من كل أشكال استغلال الحاجة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين خلال الحملات الانتخابية، وتدعو إلى احترام إرادة الناخبين والابتعاد عن شراء الأصوات واستعمال الوسطاء والسماسرة وكل الممارسات التي من شأنها المساس بنزاهة العملية الانتخابية، متى ثبتت قانونًا.
إن المواطن ليس ملكا لأي حزب أو جهة، وصوته ملك له وحده، يمارسه بحرية ومسؤولية وفق ما يراه مناسبًا لخدمة الصالح العام. كما أن قوة الأحزاب والفاعلين السياسيين لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المنخرطين أو حجم التجمعات، وإنما بمدى قدرتهم على تقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، والدفاع عن المصلحة العامة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية للمواطنين.
وانطلاقًا من رسالتها الحقوقية والمدنية، يعبر المكتب الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس عن انشغاله إزاء استمرار الضغوط التي تعرفها القدرة الشرائية للأسر المغربية، ويستنكر كل ممارسة غير مشروعة، متى ثبتت قانونًا، من شأنها الإضرار بالمستهلك أو التلاعب بالأسعار أو الإخلال بقواعد المنافسة.
كما يطالب بتعزيز المراقبة الميدانية للأسواق، وتتبع مسالك الإنتاج والتوزيع، والتحقق من هوامش الربح في إطار القوانين الجاري بها العمل، وتوفير معطيات دقيقة وشفافة للرأي العام حول أسباب ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتقوية آليات حماية المستهلك وتسهيل عملية التبليغ عن الاختلالات، وضمان التعامل الجدي مع الشكايات المستوفية للشروط القانونية.
ويؤكد المكتب الجهوي كذلك أهمية تكثيف عمليات الرصد والتوعية من طرف جمعيات المجتمع المدني وحماية المستهلك، وتشجيع وسائل الإعلام على إنجاز تحقيقات ميدانية حول الأسعار والقدرة الشرائية، والاستماع إلى المواطنين والمهنيين والمنتجين والمؤسسات المختصة، بما يضمن إعلامًا مهنيًا قائمًا على التحقق والتوازن.
إن المواطن المغربي لا يطلب المستحيل، وإنما يطالب بسوق أكثر شفافية، ومنافسة نزيهة، ومراقبة فعالة، ومعلومة دقيقة، ومؤسسات تستمع إلى انشغالاته وتعمل على معالجتها. فحماية القدرة الشرائية ليست ملفًا انتخابيًا ظرفيًا، بل قضية اجتماعية وحقوقية واقتصادية تتطلب حلولًا مستدامة وسياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.
وفي هذا الإطار، يؤكد السيد عبد العزيز بوهدون، رئيس الفرع الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس، أن المكتب الجهوي سيواصل القيام بأدواره الحقوقية والمدنية في رصد القضايا التي تمس المصلحة العامة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، مع احترام اختصاصات المؤسسات والجهات المخولة قانونًا، والحرص على أن تستند كل المواقف والمعطيات إلى التحقق والموضوعية والمسؤولية.
إن مواجهة الغلاء لا يمكن أن تقوم على التصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى تشخيص دقيق، ومراقبة مستمرة، وشفافية في المعطيات، وتحديد واضح للمسؤوليات، وتطبيق فعلي للقانون عند ثبوت المخالفات. كما أن محاربة الفساد والمضاربة والاحتكار، متى ثبتت قانونًا، تظل مسؤولية جماعية تتطلب تعزيز الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي الختام، يجدد المكتب الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس التزامه بمواصلة رصد القضايا التي تمس المال العام والمصلحة العامة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، ويدعو إلى جعل حماية القدرة الشرائية ومحاربة كل أشكال الفساد والمضاربة غير المشروعة ضمن أولويات النقاش العمومي.
فالمواطن هو محور السياسات العمومية، وحماية كرامته وقدرته على العيش الكريم مسؤولية جماعية، والمال العام أمانة، والثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية والنزاهة والإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
عبد العزيز بوهدون
رئيس الفرع الجهوي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بجهة فاس مكناس
حرر بجهة فاس مكناس
20 غشت 2026