من أجل كرامة الشباب وحماية الوطن… بلاغ بشأن موجة الهجرة غير النظامية
يتابع المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، بقلق بالغ وانشغال عميق، التطورات المتسارعة المرتبطة بتنامي محاولات الهجرة غير النظامية التي شهدتها بعض المدن والمناطق المغربية خلال الأيام الأخيرة، وما رافقها من مشاهد مؤلمة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها عدد من الشباب والأسر المغربية، في ظل إقدام بعضهم على المجازفة بأرواحهم بحثا عن مستقبل يعتقدون أنه أكثر أمنا واستقرارا خارج أرض الوطن.
وإن المنظمة، وهي تتابع هذه الأحداث وما خلفته من نقاش مجتمعي واسع، تؤكد أن الهجرة غير النظامية ليست مجرد ظاهرة أمنية أو قانونية يمكن اختزالها في المقاربة الزجرية، وإنما هي قضية وطنية وإنسانية وتنموية مركبة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية، وتفرض على جميع المؤسسات والفاعلين اعتماد رؤية شاملة لمعالجة أسبابها العميقة، بما يضمن حماية الشباب وصون كرامتهم وحقهم في العيش الكريم.
وتسجل المنظمة أن تزايد محاولات “الحريك” يبعث برسائل قوية تستوجب الإنصات إليها بجدية ومسؤولية، وفي مقدمتها الحاجة إلى تعزيز السياسات العمومية الموجهة للشباب، وتوسيع فرص الشغل والإدماج الاقتصادي، والرفع من جودة التعليم والتكوين المهني، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تدفع العديد من المواطنين إلى فقدان الثقة في إمكانية بناء مستقبلهم داخل وطنهم.
وفي هذا الإطار، تؤكد المنظمة أن محاربة الفساد والرشوة وحماية المال العام ليست قضايا منفصلة عن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي نموذج تنموي ناجح. فكل درهم من المال العام يتم تبديده أو الاستيلاء عليه بطرق غير مشروعة هو في الحقيقة فرصة ضائعة لإحداث مناصب شغل، أو بناء مؤسسة تعليمية، أو تجهيز مستشفى، أو إنجاز مشاريع تنموية تساهم في تثبيت المواطنين داخل مناطقهم وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كما ترى المنظمة أن تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات الرقابة، والضرب بيد من حديد على كل أشكال الفساد واستغلال النفوذ، من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويهيئ مناخا ملائما للاستثمار وخلق الثروة، وهو ما ينعكس إيجابا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ويحد من دوافع الهجرة غير النظامية.
وتثمن المنظمة في المقابل المجهودات الكبيرة التي تبذلها مختلف المصالح الأمنية والقوات العمومية والسلطات المختصة في التصدي لشبكات الاتجار بالبشر وتنظيم الهجرة غير النظامية، وإنقاذ الأرواح، وحماية الحدود، مع التأكيد على ضرورة استمرار هذه الجهود في إطار احترام سيادة القانون وضمان الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وتدعو المنظمة السلطات القضائية إلى مواصلة ملاحقة وتفكيك الشبكات الإجرامية التي تتاجر في أحلام الشباب، وتستغل أوضاعهم الاجتماعية لتحقيق أرباح غير مشروعة، مع تشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في تنظيم أو تمويل أو تسهيل عمليات الهجرة غير النظامية أو الاتجار بالبشر.
كما تناشد المنظمة مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات المنتخبة والجماعات الترابية إلى مضاعفة الجهود من أجل إطلاق مشاريع تنموية حقيقية تستجيب لتطلعات المواطنين، خاصة بالمناطق التي تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والهشاشة، والعمل على تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم المبادرات الشبابية، وتبسيط مساطر الاستثمار، بما يضمن خلق فرص حقيقية للشغل وتحقيق التنمية المحلية.
وتوجه المنظمة نداء إلى الأسر المغربية ومؤسسات التربية والتعليم ووسائل الإعلام وجمعيات المجتمع المدني من أجل تكثيف حملات التحسيس والتوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، وإبراز ما تخلفه من مآس إنسانية واجتماعية، وتشجيع الشباب على التمسك بالأمل والإيمان بقدراتهم، والانخراط في المبادرات القانونية والمشاريع الإنتاجية التي تساهم في بناء مستقبلهم داخل وطنهم.
كما تؤكد المنظمة أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تضافر جهود الجميع، بعيدا عن المزايدات أو توظيف معاناة الشباب لأغراض سياسية أو إعلامية، لأن حماية الإنسان المغربي وصيانة كرامته مسؤولية جماعية تقتضي الحوار، والتخطيط، والجرأة في اتخاذ القرارات والإصلاحات الضرورية.
وفي الختام، تجدد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب تأكيدها على أن بناء مغرب العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص هو السبيل الحقيقي للحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية، وأن الاستثمار في الإنسان، ومحاربة الفساد، وحماية المال العام، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، تبقى خيارات استراتيجية لضمان مستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة.
وإذ تعبر المنظمة عن تضامنها الإنساني مع جميع الأسر التي فقدت أبناءها أو تعيش القلق على مصيرهم، فإنها تدعو الجميع إلى تغليب المصلحة الوطنية، والانخراط في ورش جماعي يجعل من الكرامة والتنمية والعدالة الاجتماعية ركائز أساسية لمغرب قوي، متضامن، وآمن، قادر على توفير الأمل لشبابه داخل وطنهم.
صدر عن المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب