خسرت الملايير من أموالي الخاصة… وبقي المبدأ ثابتا، ذمتي بريئة ومن يعرفني فليكذبني
بقلم: رشيد هيلال
رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب
ليست هذه الكلمات التي أسطرها اليوم مجرد تعبير عابر أو فضفضة فرضتها الظروف، بل هي خلاصة مسار طويل من التجارب والاختبارات التي صنعت شخصيتي، ورسخت في داخلي قناعة راسخة بأن المبادئ لا تشترى، وأن الشرف لا يعوض، وأن الإنسان قد يخسر المال كله، لكنه إذا حافظ على كرامته فقد ربح نفسه.
حين أعود بذاكرتي إلى البدايات، أستحضر البيئة الأصيلة التي نشأت فيها، حيث كانت القيم والأخلاق هي الثروة الحقيقية. نشأت في أسرة كريمة، وكان والدي، رحمه الله، من أعيان القبيلة ومن الأشراف الإدريسيين، رجلا عرف بين الناس بالنزاهة والكرم وحسن السيرة. ربانا على أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وإنما فيما يعطي، وأن اليد المعطاءة خير من اليد الآخذة، وأن الشرف هو الرأسمال الذي لا يفقد قيمته مهما تغيرت الظروف.
ورغم أنني فقدت والدي في سن مبكرة، فإن والدتي، رحمها الله، أكملت المسيرة بكل صبر وحكمة، وغرست في نفسي معنى الاعتماد على الذات، وأن النجاح لا يمنح، بل ينتزع بالاجتهاد والعمل. كانت تؤمن بأن الكرامة لا تباع، وأن الإنسان الشريف يبقى شريفا مهما تغيرت الأحوال.
ولا أنسى ذلك الوعد الذي قطعته لي عندما كنت متفوقا في دراستي، إذ وعدتني بشراء سيارة جديدة إن واصلت تفوقي. وبفضل الله تحقق الوعد قبل أن أبلغ الثامنة عشرة من عمري، وكانت السيارة الحمراء التي اقتنيتها آنذاك رمزا لبداية النجاح، ودليلا على أن الاجتهاد يؤتي ثماره، وأن الوفاء بالوعد يزرع الثقة في النفس ويصنع الرجال.
دخلت عالم المال والأعمال بعقلية البناء لا بعقلية الربح السريع. أسست شركة، وخضت تجارب استثمارية متعددة، وحققت نجاحات مالية مهمة بفضل العمل المتواصل والاجتهاد والإيمان بأن الرزق يأتي بالسعي. لكن الحياة لا تسير دائما كما يشتهي الإنسان، فقد تعرضت لعمليات نصب وخسائر مالية جسيمة كلفتني الملايير من أموالي الخاصة، وضاع جزء كبير مما بنيته خلال سنوات طويلة.
كانت مرحلة صعبة بكل المقاييس، لكنها لم تكسرني، بل جعلتني أكثر قوة وصلابة. أدركت أن المال قد يضيع، لكن المبادئ إذا ضاعت فلن تعود. لذلك اخترت أن أتمسك بقيمي مهما كان الثمن.
وأقولها بكل وضوح: إن دخولي المجال الحقوقي لم يكن سببا في تلك الخسائر، بل جاء بعدها، عن قناعة واختيار. اخترت أن أضع ما اكتسبته من تجربة في خدمة الوطن، وأن أساهم في محاربة الفساد والدفاع عن المال العام وحقوق المواطنين، لأنني رأيت عن قرب حجم الاختلالات التي تعاني منها بعض المؤسسات، وآمنت بأن السكوت عنها ليس خيارا.
لم أسرق في حياتي درهما واحدا، ولم أمد يدي إلى مال أحد، ولم أقبل يوما مقابلا لموقف أو صمت أو خدمة. ولم تكن مواقفي يوما معروضة للبيع أو للمساومة، لأن من تربى على قيم الشرف والنزاهة لا يعرف إلا طريق الاستقامة.
وكان بإمكاني أن أغادر الوطن وأن أبحث عن حياة أكثر راحة واستقرارا، لكنني اخترت البقاء في المغرب، وتحملت الضغوط والصعوبات، وابتعدت عن أبنائي، لأنني أؤمن بأن خدمة الوطن مسؤولية وليست شعارا يرفع في المناسبات.
وعشت مختلف مراحل الحياة، من الوفرة إلى الشدة، ولم أخجل يوما من أي محطة مررت بها. بل كنت أردد دائما: “نعم، سقطت من الطائرة إلى الحمارة”، ليس على سبيل الحسرة، وإنما تعبيرا عن أن قيمة الإنسان لا تتغير بتغير ظروفه، وأن التواضع مدرسة يتعلم فيها الإنسان حقيقة الحياة ومعاناة الناس.
كما التزمت، رفقة إخوتي، بتنفيذ وصية والدينا، رحمهما الله، فساهمنا في دعم العديد من الأسر المحتاجة، وانخرطنا في أعمال اجتماعية وإنسانية، إيمانا منا بأن خدمة الناس من أسمى صور الوفاء للقيم التي تربينا عليها.
ورغم أنني امتلكت في مرحلة من حياتي سيارات فارهة ومقومات الرفاهية، فإنني لم أجعلها يوما وسيلة للتفاخر، لأن قيمة الإنسان ليست فيما يركب أو يملك، وإنما فيما يتركه من أثر طيب بين الناس.
واليوم، وأنا أتحمل مسؤولية رئاسة المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، أواصل أداء واجبي بكل ثبات، رغم حملات التشويه والضغوط والخسائر التي تعرضت لها، لأنني مقتنع بأن الدفاع عن الحق واجب لا يسقط بالتقادم.
وأقولها لكل من يحاول التشويش أو التشهير أو شراء الذمم: لن تفلحوا. وأتحدى أي شخص، داخل المغرب أو خارجه، أن يثبت أنني أخذت درهما واحدا مقابل موقف، أو أن في ذمتي حقا لأحد بغير وجه حق.
قد أكون خسرت الملايير من أموالي الخاصة، لكنني لم أخسر ضميري، ولم أخسر شرفي، ولم أخسر ثقة من يعرفني عن قرب. وربما خسرت الكثير من متاع الدنيا، لكنني احتفظت بما هو أغلى: كرامتي، ونزاهتي، واحترام نفسي.
ومن يعرف رشيد هيلال حق المعرفة، فليشهد بما رأى، ومن كانت لديه حجة أو دليل يخالف ما أقول، فليتقدم به أمام الرأي العام والجهات المختصة، فالحقيقة لا تخشى المواجهة، والنزاهة لا تحتاج إلا إلى الوقائع لتثبت نفسها.