0

تتابع المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب باهتمام دخول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ ابتداء من يوم الاثنين 24 غشت 2026، باعتباره محطة تشريعية ومؤسساتية مهمة في مسار اصلاح منظومة العدالة بالمغرب، وانتقالا من مقتضيات قانونية ظلت تؤطر المسطرة المدنية لعقود طويلة الى قواعد جديدة تشمل مختلف مراحل التقاضي.

وياتي دخول هذا القانون حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، وبعد مرور المدة المحددة قانونا لدخوله حيز التطبيق. ويضم القانون الجديد 644 مادة، وهو ما يعكس حجم التغيير الذي يحمله بالنسبة للمتقاضين والمحامين والقضاة ومختلف مهنيي العدالة.

وترى المنظمة ان اهمية هذا النص لا تكمن فقط في كونه يعوض قانون المسطرة المدنية الصادر سنة 1974، وانما في كونه يعيد تنظيم مجموعة واسعة من الاجراءات المرتبطة برفع الدعاوى والاختصاص القضائي والطعون والتبليغ والتنفيذ، فضلا عن ادماج الوسائل الرقمية في عدد من مراحل التقاضي.

ومن ابرز التحولات التي يكرسها القانون الجديد توسيع مجال التقاضي الالكتروني، من خلال الاعتراف بعدد من الاجراءات التي يمكن ان تنجز كليا او جزئيا عبر المنصة الالكترونية، بما في ذلك ايداع المقالات والطلبات والطعون والمذكرات والمستنتجات والوثائق، واداء الرسوم والمصاريف، فضلا عن بعض اجراءات التبليغ والتنفيذ.

وتعتبر المنظمة ان الرقمنة القضائية يمكن ان تشكل رافعة مهمة لتبسيط المساطر وتقليص الزمن القضائي وتحسين تتبع الملفات، غير ان نجاح هذا الورش سيظل مرتبطا بمدى جاهزية المحاكم والبنيات التقنية، وتوفير الوسائل اللازمة للمهنيين والمتقاضين، وضمان الولوج العادل الى الخدمات الرقمية، حتى لا تتحول الرقمنة الى عائق امام الفئات التي تواجه صعوبات في استعمال الوسائل الالكترونية.

كما حمل القانون الجديد مستجدات مرتبطة بالاختصاص المالي للمحاكم، من خلال تحديد عتبات جديدة في بعض المنازعات، وهو ما يستدعي من المتقاضين ومهنيي العدالة الانتباه الى طبيعة الطلب وقيمته والجهة القضائية المختصة، تفاديا للاخطاء الاجرائية التي قد تؤثر على مسار الدعوى.

وشملت المستجدات ايضا مسطرة الامر بالاداء، حيث تم توزيع الاختصاصات بحسب طبيعة الدين وقيمته والسند الذي يثبته، بما في ذلك الديون المدنية والتجارية، وهو ما يجعل الاطلاع الدقيق على المقتضيات الجديدة امرا ضروريا بالنسبة لكل من يرغب في سلوك هذه المسطرة.

وفي المقابل، لم يغفل المشرع الملفات القضائية التي كانت جارية في ظل القانون السابق، حيث وضع مقتضيات انتقالية تهدف الى حماية الاثار القانونية للاجراءات التي تمت بصورة صحيحة في ظل القانون القديم. كما تم تنظيم مسالة استمرار بعض القواعد السابقة بالنسبة للملفات التي كانت في وضعيات اجرائية محددة قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ.

وتؤكد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب ان المرحلة الانتقالية تكتسي اهمية بالغة، لان نجاح الانتقال من قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 الى القانون رقم 58.25 لا يرتبط فقط بصدور النص ونشره، بل بمدى حسن تنزيله داخل المحاكم، وبقدرة مختلف المتدخلين في منظومة العدالة على استيعاب مقتضياته وتطبيقها بما يضمن الامن القانوني والقضائي.

كما ان ادماج الرقمنة في مساطر التبليغ والتنفيذ والحجز وغيرها من الاجراءات يطرح مسؤولية مشتركة بين مختلف المؤسسات والجهات المعنية، خصوصا فيما يتعلق بحماية المعطيات والوثائق، وضمان سلامة الاجراءات الالكترونية، وتوفير وسائل تقنية فعالة ومستقرة.

وتعتبر المنظمة ان اصلاح المسطرة المدنية يجب ان يظل موجها اساسا نحو خدمة المواطن، وتسهيل الولوج الى العدالة، وتسريع البت في القضايا، والحد من التعقيدات الاجرائية غير الضرورية، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ومبدأ المساواة امام القانون.

كما تدعو المنظمة الى مواكبة دخول القانون الجديد بحملات توعية وتكوين لفائدة المواطنين والمهنيين، حتى يكون المتقاضي على دراية بحقوقه وواجباته وبالاجراءات التي يتعين عليه احترامها، خصوصا في ظل التغييرات التي مست الاجال وطرق الطعن والاختصاصات وبعض المساطر القضائية.

وترى المنظمة ان نجاح هذا الورش التشريعي سيقاس في نهاية المطاف بمدى انعكاسه على الحياة اليومية للمواطن، وبقدرته على جعل العدالة اكثر سرعة وفعالية وشفافية، وليس فقط بعدد المواد التي يتضمنها القانون الجديد.

وتؤكد المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب ان احترام القانون وتطبيقه بشكل سليم يشكلان اساسا لترسيخ دولة الحق والقانون، وان اصلاح العدالة يظل ورشا مجتمعيا ومؤسساتيا يتطلب تضافر جهود القضاء والمحاماة والادارة والمجتمع المدني ووسائل الاعلام، بما يضمن حماية الحقوق وصون المال العام وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وبدخول القانون رقم 58.25 حيز التنفيذ، يطوى فصل تشريعي امتد لاكثر من خمسة عقود، وتفتح مرحلة جديدة في تاريخ المسطرة المدنية بالمغرب. وستكون المرحلة المقبلة اختبارا عمليا لمدى قدرة النص الجديد على تحقيق الاهداف المنتظرة منه، وتحويل مقتضياته من مواد قانونية الى ممارسة قضائية فعالة تخدم المواطن وتعزز العدالة والشفافية وحسن سير المرفق القضائي.

عن/ الأستاذ عمر الكوثر الكاتب العام الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.