المغرب بين رهانات الإصلاح وتحديات الفساد… حماية المال العام مسؤولية الجميع
لا يمكن لأي دولة أن تحقق تنمية حقيقية ومستدامة دون أن تجعل من النزاهة والشفافية وسيادة القانون مرتكزات أساسية في تدبير الشأن العام. وقد أدرك المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، منذ سنوات، أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تشييد البنيات التحتية أو إطلاق المشاريع الكبرى، بل يقوم أيضًا على بناء مؤسسات قوية، وإدارة فعالة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني مسؤول، وإعلام مهني، ومواطن يؤمن بأن حماية المال العام واجب وطني قبل أن تكون التزامًا قانونيًا.
لقد شهدت المملكة خلال العقود الأخيرة أوراشًا إصلاحية كبرى مست مختلف المجالات، من إصلاح المنظومة الدستورية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، وتحديث الإدارة، وتوسيع ورش الجهوية المتقدمة، وإطلاق برامج اجتماعية واقتصادية وتنموية طموحة. غير أن نجاح هذه الأوراش يظل مرتبطًا بقدرة مختلف الفاعلين على محاربة كل مظاهر الفساد الإداري والمالي، وترسيخ ثقافة النزاهة في الحياة العامة.
إن الفساد ليس مجرد مخالفة قانونية، بل هو عائق حقيقي أمام التنمية، لأنه يبدد الموارد، ويضعف ثقة المستثمرين، ويؤثر على جودة الخدمات العمومية، ويخلق شعورًا بعدم المساواة بين المواطنين. كما أن الرشوة، واستغلال النفوذ، وسوء التدبير، إذا ثبتت وفق المساطر القانونية، تؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، وتنعكس آثارها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يمكن اختزال محاربة الفساد في الجانب الزجري فقط، فالعقوبات وحدها لا تكفي. المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تقوم على الوقاية، والشفافية، والحكامة الجيدة، وتبسيط المساطر، ورقمنة الخدمات، وتعزيز آليات الرقابة، وتوفير الحماية القانونية للمبلغين وفق القوانين الجاري بها العمل، وتشجيع ثقافة المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن خلال تجربتنا داخل المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، لمسنا أن المواطن المغربي أصبح أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر استعدادًا للدفاع عن المصلحة العامة، لكنه في المقابل ينتظر من مختلف المؤسسات مزيدًا من الفعالية والسرعة في معالجة الملفات، والحرص على التطبيق السليم للقانون، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
إن المجتمع المدني لم يعد مجرد إطار للتأطير أو العمل التطوعي، بل أصبح شريكًا دستوريًا في التنمية والديمقراطية التشاركية. ومن هذا المنطلق، فإن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب جعلت من الدفاع عن النزاهة، وحماية المال العام، والتوعية القانونية، ومواكبة المواطنين، والترافع المؤسساتي، ركائز أساسية لعملها، انطلاقًا من الإيمان بأن خدمة الوطن لا تكون بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد والمسؤول.
ولقد تعاملت المنظمة مع عدد من الملفات ذات الصلة بحماية المال العام، وكانت دائمًا حريصة على أن يكون عملها قائمًا على الوثائق والمعطيات، واحترام المساطر القانونية، وتقديم الشكايات والملتمسات إلى الجهات المختصة كلما توفرت الشروط القانونية، مع التأكيد الدائم على أن القضاء وحده هو صاحب الاختصاص في الفصل في النزاعات وتحديد المسؤوليات.
كما نؤمن بأن المسؤول النزيه يجب أن يحظى بالدعم والتقدير، لأن محاربة الفساد لا تعني تعميم الاتهامات، بل تعني أيضًا تثمين الكفاءات الشريفة التي تؤدي واجبها بإخلاص وتفانٍ. فالإصلاح الحقيقي يقوم على محاسبة من يثبت إخلاله بالقانون، وفي الوقت نفسه تشجيع النماذج الناجحة التي تقدم خدماتها للمواطن بكل نزاهة ومسؤولية.
ومن جهة أخرى، فإن الإعلام الوطني المهني يتحمل مسؤولية كبرى في هذه المرحلة، لأنه يمثل جسرًا بين المواطن والمؤسسات، ويساهم في نشر ثقافة القانون، وكشف الاختلالات بموضوعية، وإبراز النماذج الإيجابية، بعيدًا عن الإثارة أو التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة. فالصحافة الحرة والمسؤولة شريك في بناء دولة المؤسسات، وليست طرفًا في الخصومات.
كما أن المدرسة والجامعة والأسرة مطالبة بغرس قيم الأمانة، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، لأن بناء مجتمع نزيه يبدأ من التربية، قبل أن يبدأ من المحاكم أو أجهزة الرقابة. فالوقاية تظل دائمًا أقل كلفة وأكثر فاعلية من المعالجة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة وطنية شاملة، يكون فيها كل مواطن شريكًا في حماية المال العام، وكل موظف مؤتمنًا على مسؤوليته، وكل منتخب مدركًا لحجم الأمانة التي يحملها، وكل مسؤول ملتزمًا بخدمة الصالح العام، لأن الوطن لا يبنى إلا بتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع.
إننا في المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب نؤمن بأن الدفاع عن المال العام ليس مواجهة مع الأشخاص، وإنما دفاع عن مستقبل الوطن، وعن حقوق الأجيال القادمة، وعن كرامة المواطن المغربي. ولذلك سنواصل، بكل مسؤولية، أداء رسالتنا الحقوقية والوطنية، في إطار احترام الدستور والقانون والمؤسسات، مع الانفتاح على كل المبادرات الجادة الرامية إلى تعزيز النزاهة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.
وفي ظل التحولات الوطنية والدولية، أصبح من الضروري تطوير آليات مكافحة الفساد باستمرار، والاستفادة من التجارب الناجحة، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات، وتوسيع نطاق التوعية القانونية، حتى يصبح احترام القانون سلوكًا يوميًا، وليس مجرد التزام عند الضرورة.
وختاما، فإن قوة المغرب لا تقاس فقط بحجم مشاريعه الكبرى أو مؤسساته، وإنما تقاس أيضًا بقدرته على حماية المال العام، وترسيخ العدالة، وضمان تكافؤ الفرص، واحترام القانون، وتعزيز ثقة المواطن في دولته. وإننا على يقين بأن المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وبفضل تضافر جهود جميع القوى الوطنية، ستواصل مسيرتها الإصلاحية بثبات، نحو مغرب أكثر عدالة، وأكثر شفافية، وأكثر إنصافًا، يكون فيه القانون فوق الجميع، وتكون المصلحة العليا للوطن هي البوصلة التي توجه كل السياسات والقرارات.
رشيد هيلال رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب