المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب… مسيرة وطنية في خدمة النزاهة والشفافية وصيانة المال العام
على امتداد العقود الماضية، أصبحت قضايا محاربة الفساد، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وصيانة المال العام، من بين أهم القضايا التي تستأثر باهتمام الدولة والمجتمع على حد سواء، باعتبارها مدخلا رئيسيا لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ الثقة بين المواطن والإدارة، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية الحقوق والحريات. ولم يعد الحديث عن محاربة الرشوة والفساد مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل أصبح ورشا وطنيا مفتوحا يقتضي انخراط جميع الفاعلين، من مؤسسات دستورية، وسلطات قضائية، وهيئات رقابية، ومجتمع مدني، ووسائل إعلام، وجامعات، ومراكز بحث، وكل مواطن يؤمن بأن مستقبل المغرب يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى احترام القانون وصيانة المال العام.
ومن هذا المنطلق، برزت المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب باعتبارها إحدى الهيئات المدنية الوطنية التي اختارت أن تجعل من الدفاع عن النزاهة والشفافية رسالة دائمة، ومن حماية المال العام مسؤولية وطنية، ومن الترافع القانوني والحقوقي منهجا ثابتا في جميع تحركاتها ومبادراتها. فقد آمنت منذ تأسيسها بأن المجتمع المدني ليس مجرد إطار لتنظيم الأنشطة أو إصدار البيانات، وإنما هو قوة اقتراحية ورقابية وشريك أساسي في دعم الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة، والمساهمة في بناء مجتمع يسوده العدل والإنصاف، وتحكمه سيادة القانون، وتعلو فيه المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ولأن الفساد بمختلف أشكاله يعد من أخطر التحديات التي تواجه مسار التنمية، فقد جعلت المنظمة من التصدي لكل مظاهر الرشوة، واستغلال النفوذ، وهدر المال العام، وسوء التدبير، أولوية ضمن برامجها، انطلاقا من قناعة راسخة بأن كل درهم من المال العام هو حق للمواطن، وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية، وأن حسن تدبيره ينعكس مباشرة على جودة التعليم، والصحة، والبنيات التحتية، والاستثمار، والتشغيل، والعدالة الاجتماعية، وكل مقومات الدولة الحديثة.
لقد استطاعت المنظمة، بفضل رؤيتها الواضحة وعملها المؤسساتي، أن ترسخ حضورا متزايدا داخل المشهد الحقوقي والجمعوي الوطني، وأن تبني جسور التواصل مع مختلف الفاعلين، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على احترام القانون، والاحتكام إلى المؤسسات، وتغليب لغة الحوار، والاعتماد على الوثائق والمعطيات القانونية، بعيدا عن الإثارة الإعلامية أو الأحكام المسبقة أو تصفية الحسابات. فالفلسفة التي تؤطر عمل المنظمة تقوم على أن حماية المال العام لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار احترام الضمانات القانونية وحقوق جميع الأطراف، مع الإيمان بأن القضاء هو الفيصل في كل النزاعات.
ولم يكن حضور المنظمة مقتصرا على إصدار البلاغات أو البيانات، بل امتد إلى العمل الميداني، من خلال استقبال شكايات المواطنين، وتتبع الملفات التي تدخل ضمن اختصاصها، وإعداد المذكرات القانونية، ومراسلة الجهات المختصة، والمساهمة في نشر ثقافة التبليغ المسؤول، وتشجيع المواطنين على سلوك المساطر القانونية في الدفاع عن حقوقهم، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ سيادة القانون.
وتعتبر المنظمة أن الرشوة ليست مجرد مخالفة قانونية، وإنما آفة مجتمعية تؤثر في مختلف مناحي الحياة، وتضعف الثقة في الإدارة، وتعرقل الاستثمار، وتمس بمبدأ تكافؤ الفرص، وتنعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، فإن مواجهتها لا تكون بالعقوبات وحدها، وإنما أيضا بالتربية على النزاهة، ونشر الوعي، وترسيخ ثقافة المواطنة، وتعزيز قيم المسؤولية والأمانة والشفافية داخل الأسرة والمدرسة والإدارة ومختلف مؤسسات المجتمع.
وانطلاقا من هذه الرؤية، عملت المنظمة على الانفتاح على مختلف مكونات المجتمع، وحرصت على جعل أبوابها مفتوحة أمام المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، ومواكبة قضاياهم، وتقديم الإرشاد القانوني كلما دعت الضرورة إلى ذلك، مع التأكيد الدائم على أن هدفها الأول والأخير هو خدمة الصالح العام، والدفاع عن المصلحة الوطنية، وصيانة المال العام، بعيدا عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية.
ويقود هذه المسيرة الناشط الحقوقي رشيد هيلال، رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب، الذي عرف بمواقفه الداعية إلى ترسيخ دولة القانون، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور المجتمع المدني كشريك في الإصلاح، حيث يؤكد باستمرار أن المنظمة تعمل في إطار الدستور والقانون، وتحترم اختصاصات المؤسسات، وتؤمن بأن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالمواجهة، وإنما بالعمل الجاد، والترافع المسؤول، والاعتماد على الحجج القانونية والوثائق الرسمية.
وقد جعل المكتب المركزي الوطني من توسيع الحضور الميداني للمنظمة هدفا استراتيجيا، من خلال العمل على إحداث وتقوية المكاتب الجهوية والإقليمية والمحلية، بما يضمن تقريب العمل الحقوقي من المواطنين، وتوسيع دائرة التوعية، وتعزيز آليات التتبع والرصد، وخلق شبكة وطنية من الكفاءات والفعاليات المؤمنة برسالة المنظمة وأهدافها.
إن المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب لا تقدم نفسها بديلا عن المؤسسات، ولا تعتبر نفسها جهة للإدانة أو إصدار الأحكام، وإنما ترى في نفسها شريكا مدنيا مسؤولا، يساهم في ترسيخ ثقافة احترام القانون، والدفاع عن المصلحة العامة، وتقديم المقترحات، ومواكبة الإصلاحات، وتشجيع كل المبادرات الرامية إلى تخليق الحياة العامة، وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة.
ومن هذا المنطلق، تواصل المنظمة أداء رسالتها بثبات، مستلهمة روح الدستور المغربي، ومتشبثة بالثوابت الوطنية، ومؤمنة بأن مستقبل المملكة يبنى بمؤسسات قوية، وإدارة نزيهة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني مسؤول، ومواطن واع بحقوقه وواجباته، يعمل الجميع داخله بروح المواطنة الصادقة، من أجل مغرب تسوده العدالة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وصيانة المال العام، وتحقيق التنمية الشاملة التي ينشدها جميع المغاربة.